سلال وأثاث.. حبال صناديق المساعدات تصنع رزق "نهال"
تاريخ النشر : 2026-10-27 10:11
نهال الحويحي (الصور بعدسة الصحفي أسامة الكحلوت)

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

تتنقّل أصابع نهال حويحي بين الحبال، تلفّ الشريط البلاستيكي القاسي، وتطويه، ثم تشدّه برفق حتى يستقر في مكانه، فتتشكل بين يديها قطعة جديدة. على أحد أصابعها، لفافة طبية تحميها من جروح الحبال، فيما تتراكم حولها سلال وصناديق وقطع لم تكتمل بعد.

تعيش نهال وعائلتها في خيمة وسط قطاع غزة، حيث تتكاثر الاحتياجات اليومية وتضيق سبل تلبيتها، وبينما اعتاد نازحون استخدام حبال المساعدات لإشعال النار، رأت فيها نهال مادة خامًا يمكن أن تنسج منها احتياجات خيمتها، وربما مصدر رزق يعينها على تحمّل أعباء النزوح.

تقول: "حين بدأ ابني بإحضار حبال المساعدات، بدأت أفكر في كيفية الاستفادة منها لصنع أشياء نافعة، إلى أن خطرت لي الفكرة".

كانت البداية سلة صغيرة صنعتها بيديها، ثم أتْبعتها بأخرى أكبر للغسيل، وثالثة للخضراوات. ومع الوقت، اتسع نطاق تجربتها ليشمل السجاد والخزائن وأسرّة الأطفال.

ومع كل قطعة تنجزها، كانت تكتشف أن هذه الحبال، التي لا تبدو ذات قيمة، قادرة على التحول إلى منتجات نافعة، وربما إلى دخل يخفف بعض أعباء النزوح عن عائلتها.

لم تكن لدى نهال خطة مسبقة أو أدوات خاصة، اعتمدت على الحبال وما توافر لديها من مواد قابلة لإعادة الاستخدام.

وحين لاحظ أهلها وأقاربها ما تصنعه، شجعوها وبدأوا يطلبون منها قطعًا مشابهة. تقول: "تطوّر العمل تدريجيًا. شاهد أهلي وإخوتي ما أصنعه وشجعوني، وبدأوا يطلبون مني صنع قطع مماثلة. بعد ذلك أنشأنا صفحة على فيسبوك لعرض منتجاتنا، وبدأ الناس يُقبلون على شرائها".

لم تكن منتجات نهال مجرد قطع تعرضها للبيع؛ فقد بدأت أولًا بما تحتاج إليه عائلتها داخل الخيمة. لم تجد الأسرة ما تفرشه على الأرض سوى الشادر، وكان شراء سجادة جديدة مكلفًا، فصنعت واحدة من الحبال، وحين تكدست الملابس والأغراض داخل الكراتين والحقائب، نسجت خزانة لترتيبها، وصنعت صندوقًا للسرير وضعت فوقه الفراش. كذلك أنجزت سلالًا لأدوات المطبخ والجلي، وأخرى صغيرة لمستلزمات الحمام.

ومع اتساع العمل، لم يعد ابنها مصدر الحبال الوحيد؛ إذ بدأ بعض الأطفال الذين سمعوا بما تصنعه يحتفظون بالحبال التي يحصلون عليها ويبيعونها لابنها بمبالغ بسيطة. هكذا نشأت حول مشروعها حلقة صغيرة من الاستفادة، تبدأ بحبال كانت تُستخدم لإشعال النار، وتنتهي بمنتجات تخدم احتياجات الأسر.

تعمل نهال بين ثلاث وأربع ساعات يوميًا، تصنع خلالها قطعًا جديدة أو تنفذ طلبات الزبائن، وهي سعيدة بما أنجزته، لأنها استطاعت مساعدة نفسها وعائلتها، لكن هذه الحرفة لا تخلو من الألم، فالحبال القاسية تجرح أصابعها، وتتورم يداها أحيانًا، فيما يلازمها وجع الرقبة، وتحتاج في بعض الأحيان إلى من يساعدها على إنجاز القطع.

وتخبرنا: "العمل متعب جدًا.. تتورم أصابعي من قسوة الحبال، وأشعر بألم في رقبتي. الحبال قاسية، وأحتاج إلى من يساعدني. لكنني، رغم ذلك، سعيدة لأنني أساعد نفسي وعائلتي، فالوضع صعب جدًا، ونحن نازحون ونعيش في مسكن مستأجر، واحتياجات الحياة كثيرة".

ومع أن نهال تبذل ساعات من العمل وتتحمل مشقته، فإن العائد المالي لا يوازي الجهد المبذول. لكنه، في ظل ارتفاع الأسعار وضيق الحال، يظل موردًا يساعدها على تأمين بعض ما تحتاج إليه.

تضيف: "العائد المالي قليل جدًا، والمبلغ الذي نحصل عليه من بيع السلة أو السرير أو أي قطعة أخرى ليس كبيرًا، لكنه أفضل من لا شيء. التعب كبير، لكن هذا المبلغ البسيط يتيح لي شراء شيء أحتاج إليه".

وتفكر نهال باستمرار في احتياجات أبنائها، التي لا تتوقف عند الطعام والشراب، بل تمتد إلى مستلزمات المدرسة أيضًا. ومن هنا، تراودها فكرة صنع حقيبة مدرسية لابنها من الحبال نفسها، لتجنّب شراء حقيبة جديدة قد تعجز عن دفع ثمنها.

لكن ما تنسجه يداها لا يبدد القلق الذي يبدأ معها كل صباح. فالحياة في النزوح قائمة على تدبير احتياجات متلاحقة: ماء للشرب والاستخدام اليومي، وخبز، وطعام، ومستلزمات لا غنى عنها. وحتى الحصول على الماء قد يتحول إلى عبء إضافي إذا غاب أحد أفراد الأسرة وقت وصوله.

تزيد: "أول ما أفكر فيه هو الماء. إذا وصل الماء وأنا غائبة، أو كان ابني غائبًا، فمن سيحضره؟ نحتاج إلى شخص لتأمين الماء، وآخر للحصول على الخبز، وثالث لإحضار الطعام من التكية. من الصباح حتى الظهر ونحن نحاول توفير هذه الاحتياجات".

لهذا، لا تنظر نهال إلى مشروعها بوصفه حرفة منزلية فحسب؛ فهو محاولة لانتزاع مساحة من الاعتماد على الذات وسط ظروف النزوح، وتأمين جزء من احتياجات عائلتها بجهدها.

ورغم ما حققته من تحويل الحبال إلى منتجات نافعة، فإن طموحها يتجاوز العمل الفردي داخل الخيمة، إذ تتمنى أن تتبنى جهة مشروعها وتدعمه، حتى تتمكن من توسيع الإنتاج وإشراك نساء أخريات يعشن الظروف نفسها، فيتحول إلى مصدر رزق لا يقتصر عليها وعلى عائلتها، بل يفتح بابًا لغيرهم أيضًا.

تعقب: "أتمنى أن يتوسع العمل، وأن تتولى جهة دعمنا وتوفر لنا مشروعًا نطوره، وأن تنضم إلينا نساء أخريات للعمل، لنفتح باب رزق لنا ولغيرنا".