المشاتل في غزة لا تموت.. "تُسقى أملًا"!
تاريخ النشر : 2026-09-27 09:18

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يمشي محمد عيّاد في مشتله، يتفقد ما نجا من الحرب، كمن يحاول أن يعيد للمكان ملامحه التي يعرفها. يمرر عينيه بين النباتات، فيما تستعيد ذاكرته صورة أخرى للمكان، يوم كان اللون الأخضر يملأ أرجاءه، وكروم العنب والتين تمتد على أطرافه.

لم يكن مشتل عيّاد مجرد مساحة للعمل، بل خلاصة سنوات بدأها من سبع دونمات، قبل أن يكبر مشروعه تدريجيًا ويضم أصنافًا متعددة من النباتات والبذور، إلى جانب الدفيئات والكروم.

ثم جاءت الحرب، فاقتُلعت من المكان ملامح الحياة. تعرّض المشتل للتجريف والدمار أكثر من مرة، ولم تسلم دفيئاته ولا كرومه ولا مخازنه ومعداته، وكلما حاول عيّاد أن يبدأ من جديد في مكان آخر، لحقت به الجرافات.

لم يستسلم. عاد مرةً أخرى إلى مشتلِه، يحاول أن يسترد منه ما يمكن استرداده، رغم شح المياه ونقص مستلزمات الزراعة وصعوبة الوصول إلى المكان. لم يعد المشتل بالنسبة إلى عيّاد مجرد أرض يزرعها، بل مكانًا يتمسك به كما يتمسك بما تبقى من حياته.

حتى إنه يطوي يومه وينام فيه، فالأرض التي يعمل فيها ليست مجرد مصدر رزق، وإنما إرث حمله معه، وارتبط به سنوات طويلة، لذلك لم يكن الخراب كافيًا لدفعه بعيدًا عنها.

كل مرة كانت الجرافات تقتلع ما زرعه، كان يعود ليزرع من جديد، وكأن الشتلة بالنسبة إليه محاولة أخرى لاستعادة المكان.

وفي غرب خان يونس، يروي محمد أبو مصبح حكاية أخرى عن مشتلٍ كان الوحيد في المنطقة في ذلك الوقت، يخدم الأراضي الزراعية الجديدة، ويوفر للمزارعين الشتلات التي يحتاجون إليها لبدء زراعتهم.

لكن الحرب وصلت إلى المكان، ولم تترك فيه ما يمكن أن يحميه من الخراب. جرفت الجرافات الأرض، ولم يسلم بيت ولا شجرة ولا مشتل، واضطر أبو مصبح إلى الابتعاد عن المكان لنحو 70 يومًا، قبل أن يتمكن من العودة.

وعندما عاد، لم يجد المشتل الذي تركه خلفه. وجد الأشجار مكسّرة، والأرض جافة، والركام منتشرًا في المكان.

"إجيت على المشتل لقيته يعني عبارة عن قتيلة، جفاف، الشجر كله مكسر"، يقول واصفًا المشهد الذي استقبله عند عودته.

كان يمكن لذلك المشهد أن يكون نهاية الحكاية، لكنه بالنسبة إليه كان بداية محاولة جديدة. بدأ بإعادة تأهيل المشتل، واستطاع استعادة نحو 80% منه، رغم شح المياه وارتفاع أسعار مستلزمات الزراعة، ليعيد الشتلات إلى الأرض من جديد.

لم تكن المهمة سهلة، لكن أبو مصبح اختصر ما يفعله في عبارة تحمل معنى العودة كلها: "زرعنا الأمل قبل الشجر".

فبالنسبة إليه، استعادة المشتل لا تعني إصلاح الأشجار والأرض فقط، وإنما استعادة علاقة قديمة بالمكان، وعملٍ كان يوفر للمزارعين ما يحتاجونه للاستمرار في أراضيهم. لذلك يقول: "زراعة الشجر هي الأمل اللي مخلّيني أتمسك في هذه الأرض".

وعلى مقربة من الخط الأصفر، يحاول هيثم شميّة بدوره أن يتمسك بما تبقى من مشتلِه، رغم صعوبة الوصول إليه وشح المياه التي يحتاجها لإعادة الحياة إلى الأشجار.

كان المكان بالنسبة إليه أكثر من مشروع زراعي.. كان جزءًا من تفاصيل حياته اليومية ومصدر رزقه، ومكانًا ورثه عن أبيه وجده.

قبل الحرب، كان المكان بالنسبة إليه أكثر من مشروع زراعي. كان جزءًا من تفاصيل حياته اليومية ومصدر رزقه، ومكانًا ورثه عن أبيه وجده.

اليوم، ينظر إلى ما تبقى من المشتل بعين من ينتظر فرصة لاستعادة ما فقده، يريد أن يعيد زراعة الأرض متى هدأت الظروف، وأن تستعيد الشتلات مكانها، بعدما أخذت الحرب الكثير من تفاصيل المهنة التي توارثها أفراد العائلة جيلًا بعد آخر.

ويقول: "أخذناه أنا وأبوي عن سيدي، كلنا في الزراعة وبنحب نضلنا نزرع".

تختلف التفاصيل، لكن الحكاية واحدة: أشجار اقتُلعت، وأراضٍ جُرفت، ودفيئات ومعدات ومخازن دُمّرت، وأصحابها عادوا رغم ذلك إلى الأماكن التي حاول الخراب أن ينتزعها منهم.