أجنّة غزة.. صرخاتٌ مشوّهة
تاريخ النشر : 2026-09-22 08:18

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن القصف وحده ما أثقل حمل وردة الجرو (27 عامًا)، الذي اكتشفته منتصف عام 2025م، بينما كانت نازحة منذ أكثر من عام ونصف في منزل متصدع وسط مقبرة شمالي مدينة غزة.

لقد أمضت الأشهر الستة الأولى من حملها بتوأميها من دون متابعة طبية منتظمة، في حين لم تُتح لها الفرصة لإجراء صورة "سونار" إلا في الشهر السابع.

تقول لـ"نوى": "لم أجد عيادة أتابع فيها حملي، وعندما تمكنت أخيرًا من إجراء صورة للجنين كانت الصدمة: أحد التوأمين توفي، فيما أخبرني الأطباء أن الجنين الآخر يعاني تشوهات".

في الثاني من شباط/ فبراير 2026م، وضعت الجرو طفلتها "مسك"، التي شُخّصت بإصابة في مفصل الحوض، وتشوهٍ في القدم، وإصابة في الضفيرة العصبية بالكتفين، وانحناء والتواء في اليدين والقدمين.

تستعيد وردة تلك الفترة بقولها: "كنت أعيش تحت القصف بشكل متواصل، وامتلأ المكان بالدخان والغبار بعد استهداف المنزل المقابل قرب المستشفى المعمداني، لكنني لم أتخيل أنني سألد طفلة تبدأ رحلة علاجٍ صعبة في يومها الأول".

الجرو: "مات أحد توأمَي ووُلدت الأخرى بتشوهاتٍ حادة".

منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، تعرض النظام الصحي لانهيارٍ واسع، تزامن مع موجات نزوح متكررة، ونقص حاد في الأدوية والمكملات الغذائية، وتراجعٍ في خدمات متابعة الحمل.

وبهذا لم يعد القلق الذي يرافق رحلة الحمل هناك مرتبطًا فقط بالخوف من القصف أو صعوبة الوصول إلى المستشفيات، بل بسؤالٍ أكثر إيلامًا: هل تركت الحرب آثارًا جديدة على صحة الأجنة؟

وسط الخوف والركام

لم تكن وردة وحدها التي بدأت رحلة الأمومة في ظروف استثنائية، فـ"بركة بهار" (32 عامًا)، وهي أم لخمسة أطفال، كانت حاملًا بتوأم أيضًا حين اضطرت للنزوح من شرقي حي التفاح إلى تل الهوى غربي مدينة غزة.

تخبرنا: "كنتُ أخشى أن أصل إلى موعد الولادة دون متابعة طبية، ولم أتوقع أن تبدأ معاناة طفليّ منذ لحظة ولادتهما".

بهار: "ولدتُ توأمًا وسط الركام أحدهما مصاب باستسقاء الدماغ".

في منتصف آب/ أغسطس 2025م، أنجبت توأميها مصعب وصهيب، قبل أن تكشف الفحوصات إصابة أحدهما باستسقاء في الدماغ.

ورصدت معدّتا التحقيق حالات فقدت مواليدها خلال الساعات الأولى من الحياة بسبب تشوهات خلقية حادة، في ظل ظروف حمل استثنائية فرضتها الحرب.

هناء أبو معروف (26 عامًا) إحداها، إذ لم تعرف بمشكلة طفلتها "نورة" إلا بعد ولادتها قيصريًا في مجمع ناصر الطبي جنوبي غزة، حين أظهر التقييم عدم اكتمال الجمجمة وثقبًا في القلب، قبل أن تفارق الطفلة الحياة بعد ساعات.

أبو معروف: "وُلدت طفلتي بلا جمجمة وفارقت الحياة فورًا".

تقول هناء: "عشت شهور حملي وسط القصف، وتعرض منزلنا في دير البلح خلال مايو/أيار 2024م للقصف وانتشر الدخان والغبار، ونزحت أكثر من سبع مرات سيرًا على الأقدام وأنا حامل في شهري السادس. لم أكن أعلم أن طفلتي تعاني تشوهات إلا بعد ولادتها".

وتضيف بنبرة أسف وانكسار: "كنت أنتظر أن أسمع صوتها وأحملها، لكنني تلقيت خبرًا لم أكن مستعدة له".

اكتشاف التشوه في منظومة متهالكة..

وفي السابع من شباط/ فبراير 2026م، وُلدت الطفلة وتين صابر دواس في مستشفى القدس غربي مدينة غزة، وبعد ساعات من ولادتها أظهرت الفحوصات إصابتها بتشوه خلقي في ساقها اليمنى، تمثل في غياب الجزء العلوي من عظمة الفخذ.

يقول والدها صابر دواس (40 عامًا): "زوجتي ناهد (33 عامًا) عاشت حملها في ظروف استثنائية، ولم تتمكن خلال الأشهر الأولى من الحصول بصورة منتظمة على حمض الفوليك والفيتامينات الضرورية، بسبب نقص الأدوية وتدهور الظروف المعيشية والمجاعة".

ويضيف: "كانت تعاني فقر الدم، وفي كثير من الأيام كانت تعتمد على الخبز فقط، لأنها لم تكن قادرة على توفير غذاء متوازن يساعدها خلال فترة الحمل".

ولا تبدأ معاناة الأطفال عند اكتشاف التشوهات، بل تمتد إلى منظومة الرعاية الصحية التي تراجعت قدرتها على متابعة الحمل ورعاية حديثي الولادة منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023م.

وبحسب رئيسة قسم الحضانة في مستشفى النصر للأطفال، ميادة جندية فإن أكثر التشوهات الخلقية التي تصل إلى الأقسام الطبية تتمثل في عيوب القلب الخلقية، "فيما لوحظ ارتفاع نسبة التشوهات الخلقية للأجنة خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة" تقول.

وتوضح جندية أن مقارنة أعداد الحالات الحالية بما قبل الإبادة لا تعكس الواقع بدقة، بسبب تغير التوزيع السكاني وانتقال المرضى بين مناطق ومستشفيات مختلفة.

وتكشف بيانات حصلت عليها معدّتا التحقيق من وزارة الصحة في قطاع غزة، أن عدد حالات التشوهات الخلقية المسجلة بلغ (322) حالة خلال عام 2025م، مقابل (184) حالة في عام 2022م، وهو آخر عام توفرت فيه بيانات كاملة قبل بدء الإبادة.

ولا تقف الزيادة عند عدد الحالات، إذ ارتفع معدل التشوهات الخلقية بين المواليد من (32) حالة لكل عشرة آلاف مولود حي عام 2022م إلى (64) حالة عام 2025م، أي أن المعدل تضاعف.

ويؤكد مدير وحدة المعلومات الصحية بوزارة الصحة، زاهر الوحيدي، تسجيل (100) حالة تشوهات خلقية منذ بداية عام 2026م وحتى نهاية يونيو/حزيران، موضحًا أن الوزارة لا تملك تقارير سنوية مكتملة لعامي 2023م و2024م، بعد انهيار جزء من الأنظمة المحوسبة وفقدان قواعد البيانات، قبل استعادة العمل بالنظام الصحي المعلوماتي عام 2025م.

ويشير الوحيدي إلى أن عدد مراكز الرعاية الأولية خلال فترات من عام 2024م لم يتجاوز (16) مركزًا، من أصل (160) إلى (167) مركزًا قبل الإبادة، رغم دورها الأساسي في متابعة الحمل وتوفير المكملات.

"الظاهرة لا تختزل في عامل واحد"

وفي ظل غياب البيانات الرسمية الكاملة، أجرت معدّتا التحقيق استطلاعًا شمل (40) سيدة خضن تجربة الحمل خلال عام 2024م.

وأظهرت النتائج أن نصفهن لم يحصلن مطلقًا على مكمل حمض الفوليك خلال الأشهر الأولى، فيما أفادت (19) سيدة، بنسبة (47.5%)، بأن أطفالهن ولدوا بتشوهات خلقية أو مشكلات صحية.

ولا تعني هذه النتيجة، وفق المعطيات الطبية الواردة في التحقيق، إثبات علاقة مباشرة بين نقص الفوليك والتشوهات، إذ يحذر الوحيدي من اختزال الظاهرة في عامل واحد، موضحًا أن نقص حمض الفوليك يأتي ضمن مجموعة من العوامل، بينها سوء التغذية وفقر الدم.

ووفق بيانات الوزارة، كانت (57%) من الحوامل اللواتي خضعن للفحص خلال الثلث الأول من الحمل عام 2025م مصابات بفقر الدم.

ورغم ارتفاع مؤشرات التشوهات الخلقية والمضاعفات الصحية، يؤكد المختصون استحالة تحديد سبب مباشر واحد في ظل غياب الدراسات الوبائية ونقص أدوات تحليل الملوثات وقياس آثارها.

ويتفق الأطباء الذين استطلعت آراءهم معدتا التحقيق على أن الأزمة نتاج تداخل عوامل عدة، على رأسها: سوء التغذية، ونقص "حمض الفوليك"، وتلوث المياه والهواء، ومخلفات الدمار.

ويوضح الوحيدي أن سوء التغذية قد يؤدي إلى اضطرابات في المشيمة ونقص وصول الأكسجين إلى الجنين، بما قد يرفع احتمالات التشوهات الخلقية والإجهاض والولادة المبكرة.

وأكدت منظمة الصحة العالمية، في بيانها الصادر في 27 تموز/ يوليو 2025م، أن سوء التغذية في غزة وصل مستويات "خطيرة"، وأنه يطال النساء الحوامل والأطفال بشكل خاص، مع تسجيل ارتفاع في الوفيات المرتبطة به، مؤكدة أن منع وصول الغذاء والرعاية الصحية أدى لتدهور غير مسبوق في الوضع الصحي.

وفي السياق، كان بيان مشترك لوكالات الأمم المتحدة الأربع: (WHO – UNICEF – WFP – FAO)، نُشر في الثاني والعشرين من آب/أغسطس 2025م، أعلن أن المجاعة أصبحت مؤكدة في أجزاء من قطاع غزة، "فقد تضاعف عدد النساء الحوامل والمرضعات المتوقع إصابتهن بسوء تغذية حاد من 17 ألفًا إلى 55 ألف امرأة".

دراسات "غير متوفرة" حاليًا

بدوره، يؤكد القائم على أعمال فرعين لإحدى صيدليات غزة، الدكتور إحسان حسان، أن الإبادة تسببت في نقصٍ حادٍ في مخزون الأدوية والمكملات، وأن حمض الفوليك لم يتوفر بانتظام لفترات طويلة، فيما تؤكد الصيدلانية بتول زغرة أهميته بالنسبة نمو الجنين وتقليل خطر بعض التشوهات، وخاصة عيوب الأنبوب العصبي.

ويشير أطباء قابلتهم معدتا التحقيق إلى تداخل عوامل عدة في صحة الأجنة، بينها سوء التغذية ونقص المكملات الغذائية والضغط النفسي والخوف المستمر، إلى جانب تلوث المياه والهواء ومخلفات الدمار.

ويقول طبيب الأطفال أحمد الفرا: "التشخيص الدقيق للتشوهات يحتاج إلى فحوصات ودراسات غير متوفرة حاليًا في غزة"، مشيرًا إلى أن سوء التغذية الحاد أثناء الحمل يضاعف مخاطر انخفاض وزن المواليد ومشكلاتهم الصحية، ويؤثر في المشيمة وتغذية الجنين.

وفي السياق ذاته، يؤكد استشاري أمراض النساء والولادة بوزارة الصحة الدكتور ناجي القرشالي وجود مؤشرات داخل المستشفيات على ارتفاع التشوهات الخلقية والولادات المبكرة وانخفاض أوزان المواليد وحالات الحمل عالي الخطورة، لكنه يشدد على أن تحديد سبب كل حالة يتطلب دراسات متخصصة غير متوفرة في غزة.

وتؤكد مديرة صحة الأم والطفل بوزارة الصحة الدكتورة خلود حمد، أن عوامل الخطر تتداخل لدى الأمهات، من سوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي وصعوبة الحصول على الفيتامينات إلى تعطل متابعة الحمل بسبب النزوح المتكرر وصعوبة الوصول إلى الخدمات، لكنها تقول: "السجلات الطبية المتاحة حاليًا لا تسمح لنا بتحديد عامل واحد بعينه بوصفه المسبب الأكثر تكرارًا بصورة علمية وحاسمة لحالات العيوب الخلقية أو الإجهاض".

ولا يقتصر القلق على الغذاء والرعاية الصحية إذ يحذر الخبير البيئي سعيد العكلوك من المخاطر طويلة الأمد للملوثات الناتجة عن القصف والركام وتراكم النفايات ومياه الصرف وتلوث الهواء، في ظل غياب فحوصات شاملة.

ويقول العكلوك: "هذه الظروف قد تعرض الحوامل للبكتيريا والفيروسات والطفيليات، كما قد تنتقل بعض الملوثات عبر السلسلة الغذائية من التربة الزراعية ومياه البحر إلى الخضار والأسماك"، مشيرًا إلى وجود مواد كيميائية ومعادن ثقيلة ناتجة عن حرب الإبادة لم تُقَس بعد في القطاع.

ويشدد على أن تحديد وجود مواد مشعة أو معادن ثقيلة وتأثيرها يتطلب قياسات ودراسات علمية دقيقة.

موقف القانون الدولي

وكانت دراسة إيطالية قادتها الباحثة باولا ماندوكا بالتعاون مع وزارة الصحة عام 2020م، ربطت ارتفاع معدلات العيوب الخلقية بعد حرب 2014م بالتعرض لملوثات كيميائية ومعادن ثقيلة أثرت في المادة الوراثية.

ويؤكد الطبيب نبيل البرقوني، أحد الباحثين الرئيسيين في الدراسة، أن تراكم معادن ثقيلة مثل الزئبق واليورانيوم والكوبالت والكادميوم في أجساد الحوامل يمثل مصدر قلق صحي، مرجحًا أن الدمار الهائل واستنشاق النساء لمخلفات القصف ورائحة البارود قد يكونان من العوامل المرتبطة بارتفاع المعدل الحالي.

في الوقت ذاته، يؤكد العكلوك أن تحديد أثر المعادن الثقيلة أو المواد المشعة على الأجنة في غزة يحتاج إلى قياسات مباشرة ودراسات متخصصة.

ويبقى السؤال الأهم: "هل ترقى هذه المخاطر إلى انتهاكات يجرمها القانون الدولي؟". يمنح القانون الدولي الإنساني النساء الحوامل حماية خاصة، فالمادة (16) من اتفاقية جنيف الرابعة تنص على "حماية واحترام خاصين" لهن، فيما تلزم المادة (56) الاحتلال بالحفاظ على المنشآت الطبية وشبكات المياه والصرف.

ويشكل تدمير المستشفيات ومرافق الولادة انتهاكًا محتملًا، لكن توصيفه كجريمة يتطلب إثبات الرابطة السببية بين الفعل والضرر.

وتؤكد الخبيرة في القانون الدولي رندا قدادة، أنه "لا يكفي رصد ارتفاع التشوهات أو الإجهاض لإثبات الانتهاك، بل يجب ربط الفعل العسكري بالضرر الصحي".

وتضيف: "السجلات الطبية وتقارير الإجهاض وعينات المياه والتربة وشهادات الأمهات تمثل أدلة مهمة إذا أُرشفت علميًا"، ملفتةً إلى أن المادة (75) من نظام روما، تتيح جبر الضرر بالتعويض وإعادة التأهيل حتى لو ظهرت الأضرار بعد سنوات.

وبين طفلة تولد بتشوه خلقي، وأم حملت وسط القصف والمجاعة، وبيانات ترصد تغيرات مقلقة في صحة المواليد، تبدو آثار الإبادة أكبير بكثيرٍ من لحظة القصف، وإثبات ما إذا كانت حرب الإبادة قد تسببت مباشرة في ارتفاع التشوهات، يحتاج إلى ما هو أبعد من الشهادات والأرقام.. تحتاج إلى دراسات علمية تحفظ الدليل قبل أن يضيع.

تنويه: تم اعداد هذا التحقيق الاستقصائي بدعم من الاتحاد الأوروبي ضمن مشروع Engage -تنفيذ جمعية فلسطينيات بالشراكة مع جامعة النجاح الوطنية. ولا يعكس محتوى هذا التحقيق بأي شكل من الاشكال وجهة نظر الاتحاد الأوروبي.