تحت أسقفٍ متصدّعة.. عائلاتٌ تلتحف "خوفها" وتنتظر الصباح
تاريخ النشر : 2026-09-17 08:40

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"بنام وبصحى وأنا ميتة من الخوف"، بهذه الكلمات تصف الخمسينية نجوى عبد الله حياتها داخل خيمةٍ أقامتها مع عائلتها في عمارة آيلة للسقوط.

المنزل الذي اختارته نجوى تضرر بشدة جراء القصف الإسرائيلي على قطاع غزة، ولم تجد الأسرة مكانًا آخر غيره، تلجأ إليه من مطر الشتاء وحر الصيف.

تشير إلى المبنى المكوّن من 12 طابقًا، وتقول: "فجر أمس تساقطت أجزاء منه نحو الشارع. أعيش في الطابق السفلي، وهذا يجعلني أكثر خوفًا. إذا سقط المبنى سيسقط كله علينا".

تقضي نجوى معظم نهارها خارج البيت، ولا تعود إليه إلا ليلًا خشية انهياره. وبينما تعرف أن المكان لا يوفر مقومات الحياة، تراه أقل قسوة من الخيمة وحدها.

تقول: "لا توجد أي مقومات للحياة هنا، لكننا نفضل ما تبقى من جدران هذا المبنى على لهيب الخيام".

ومنذ ساعات الصباح، تتابع نجوى أخبار انهيار مبنى آخر كان يؤوي نازحين، وأسفر، عن استشهاد 21 شخصًا، فيما لا يزال آخرون تحت الأنقاض.

وتضيف: "منذ سمعت الخبر انقبض قلبي، وارتفع لدي السكر الذي أصبت به خلال الحرب، وأثر على عيني التي تحتاج لعدسة طبية.. ممنوعٌ عليّ البكاء، لكن القهر يدفعني إليه".

وقد شهد قطاع غزة كارثة إنسانية جديدة، بعد انهيار مبنى سكني متصدع يعرف باسم "بناية السعادة" في منطقة الصناعة بحي تل الهوى غربي مدينة غزة، مما أسفر عن مقتل 21 فلسطينيًا (بينهم 8 أطفال ومسنّان و5 نساء) وإصابة العشرات.

في المبنى نفسه، يقول زوجها أبو محمد عبد الله إنه تابع أخبار البناية المنهارة، لكن الخوف لم يعد قادرًا على دفعه إلى الرحيل.

"الأمر مرعب، لكنني لم أعد أشعر بالخوف، فالموت يحيط بنا من كل مكان، واليأس دفعنا إلى هذه الحياة".

ويضيف بمرارة: "الأمر مرعب، لكنني لم أعد أشعر بالخوف، فالموت يحيط بنا من كل مكان، واليأس دفعنا إلى هذه الحياة".

ويزيد: "لم أجد لعائلتي مكانًا آخر. بحثت كثيرًا منذ نزحت من بيتي في جباليا، لكن المخيمات والشوارع مكتظة بالناس، إلى أين نذهب وقد تدمرت بيوتنا؟".

ولا تقتصر مخاطر المبنى على احتمال انهياره، إذ تعاني العائلة من انتشار الفئران والحشرات، فيما سبق أن سقط حزام خرساني داخله على بعد سنتيمترات من أشخاص كانوا نائمين.

يقول أبو محمد: "خياراتنا صفر، وهذه مسؤولية المجتمع الدولي. نحن نحو 50 عائلة نعيش في هذه البناية، والجميع يشعر بالرعب، لكن عائلة واحدة فقط تمكنت من المغادرة بعدما وجدت خيمة".

في المبنى ذاته، يعيش الحاج ماهر المطوق، الذي فقد أبناءه تحت أنقاض منزلهم في جباليا، ويعيل اليوم أحفاده.

يصعد بخطوات حذرة على سلالم متضررة إلى خيمته في الطابق الثاني، حيث يقيم مع زوجته وابنه الناجي وأحفاده أبناء الشهداء.

ويضيف: "أعرف أن الخطر شديد، والرعب يرافقنا في كل لحظة، لكن لا يوجد بديل. حتى الخيمة أصبحت فوق قدرتنا، والمخيمات مكتظة".

أما سلوى ريحان (26 عامًا)، فتعيش مع والديها وإخوتها في الطابق الثالث، وبينما يلعب إخوتها الصغار قرب جدار متضرر، تظل تناديهم للابتعاد عنه خشية انهياره.

"ظروف السكن صعبة جدًا، وهناك خطر حقيقي من سقوط أجزاء من المبنى علينا، لكن وجود سقف فوق رؤوسنا أهون من الخيام".

تقول: "ظروف السكن صعبة جدًا، وهناك خطر حقيقي من سقوط أجزاء من المبنى علينا، لكن وجود سقف فوق رؤوسنا أهون من الخيام، رغم انتشار الحشرات والقوارض".

وتشير سلوى إلى حوادث سابقة زادت مخاوف السكان، بينها سقوط طفلة من أبناء الجيران من الطابق الثالث وإصابتها، وسقوط أجزاء من الركام قرب أطفال آخرين، إضافة إلى سقوط حزام خرساني على بعد سنتيمترات من أشخاص كانوا نائمين.

ومنذ انهيار البناية التي كانت تؤوي نازحين، تتابع سلوى الأخبار بقلق، وتختصر معضلتها في سؤال واحد: "نشعر بالرعب، لكن هل لدينا خيارات؟".

وتتسع دائرة الخطر خارج هذا المبنى. ويروي محمود بصل، الناطق باسم الدفاع المدني لوسائل الإعلام، أن نحو 2000 مبنى مأهول من المباني المهددة بالانهيار قد ينهار في أي لحظة، بينما حذرت وزارة الأشغال العامة والإسكان من وجود 3000 مبنى مأهول آيل للسقوط.

وبشأن البناية المنهارة "عمارة السعادة"، التي كانت تؤوي نازحين، يوضح عبد الله المجدلاوي، مدير العلاقات العامة والإعلام في الدفاع المدني، أنها كانت تضم -وفق إفادات السكان- 11 عائلة، أي نحو 100 شخص.

ويقول: "الطواقم تمكنت من إجلاء 30 شخصًا، فيما انتشلت 21 شهيدًا، بينهم 8 أطفال ومسنّان، وأصيب 45 آخرون، بينهم حالات خطيرة".

لكن الخطر، وفق المجدلاوي، لا يقتصر على هذه البناية، إذ يكمل: "هناك عدد كبير من المباني المصنفة آيلة للسقوط، ونتحدث عن مئات الوحدات السكنية"، موضحًا أن الدفاع المدني يتلقى اتصالات من سكان يبلغون عن تصدعات في منازلهم وخطر انهيارها، إلا أن مطالبتهم بالإخلاء تصطدم، بحسب إفاداته، بإجابة واحدة: "لا يوجد لدينا بديل".

"سكان المباني الآيلة للسقوط يجدون أنفسهم أمام خيارات صعبة، فيما يعمل الدفاع المدني بإمكانات محدودة للغاية".

ويحذر المجدلاوي من أن استمرار هذه الظروف مع اقتراب فصل الشتاء قد يؤدي إلى مزيد من الانهيارات وسقوط المنازل على سكانها، ما لم تتوفر كرفانات وبيوت متنقلة وأماكن إيواء بديلة.

ويحمل المجدلاوي الاحتلال مسؤولية استمرار الأزمة، مشيرًا إلى أن سكان المباني الآيلة للسقوط يجدون أنفسهم أمام خيارات صعبة، فيما يعمل الدفاع المدني، وفق قوله، بإمكانات محدودة للغاية.

ويقول: "ذهبنا إلى مهمة اليوم ولم نملك سوى مطرقتين، وكنا نستعير ما ينقصنا من الجيران. ناشدنا كثيرًا لتزويدنا بالمعدات دون جدوى، ما نملكه لا يتناسب إطلاقًا مع حجم الكارثة".

ويشير إلى أن طواقم الدفاع المدني تنتشل أحيانًا جثامين لا يمكن التعرف إلى أصحابها، ما يستدعي إجراء فحوص الحمض النووي (DNA) لتحديد هوياتهم وتسليمهم إلى ذويهم، وهو الأمر غير المتوفر في قطاع غزة.

ويختتم المجدلاوي رسالته إلى الجهات الدولية والحقوقية والضامنين لوقف إطلاق النار والمبعوث ميلادينوف، بقوله: "انظروا إلى غزة بعين المسؤولية.. إذا لم تكونوا قادرين على حماية الأحياء، فعلى الأقل أكرموا الموتى".