غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"نحن ما زلنا أحياء، أخرجونا"، كان هذا صوت صراخ طفلة سمعته الصحفية ربا العجرمي، مراسلة قناة TRT التركية، أثناء تغطيتها لمحاولات إنقاذ مواطنين من تحت أنقاض بناية دمرها القصف الإسرائيلي خلال حرب الإبادة على قطاع غزة.
هذه الصرخة التي ظلت محفورةً في ذاكرة ربا، لاحقتها حتى في شهادتها خلال جلسةٍ نظمتها مؤسسة "فلسطينيات" في مكتبها بمدينة غزة وعبر تطبيق "زوم"، استعرضت خلالها تجربتها الصعبة في تغطية حرب تركت آثاراً نفسية وجسدية عميقة في حياتها.
كانت تغطي مشاهد الموت وفي داخلها قلب أمٍ يلاحق صور أطفالها الأربعة الذين ينتظرون عودتها بشوق داخل خيمة النزوح.

تروي ربا أنها بدأت تغطية الحرب منذ يومها الأول، بعدما قطعت إجازة الأمومة التي كانت تقضيها مع رضيعتها التي لم تتجاوز شهرها الثالث. حملت طفلتها معها إلى مكتب العمل، واستعانت بشقيقتها لرعايتها أثناء انشغالها بالتغطية، لتنطلق منذ ذلك اليوم في متابعة أحداث حرب قاسية لم تمنحها فرصةً واحدة لالتقاط أنفاسها.
تقول: "كنا في البداية نغطي الأحداث متنقلين بين شمالي القطاع وجنوبه حتى فرض الاحتلال علينا النزوح. كانت الأحداث متسارعة والتغطية معقدة وشاقة، ولا أبالغ إذا قلت إنني لم أكن أجد وقتاً حتى لأنظر إلى وجهي في المرآة. كنت أمًا لأربعة أطفال، أكبرهم بعمر عشر سنوات وأصغرهم رضيعة".
أُجبرت ربا على النزوح من منزلها بغزة دون أن تتمكن من حمل ما يكفي من الملابس، حتى أطفالها غادروا بحقائب المدرسة يحملون فيها كتبهم والقليل من الثياب، فلم يتوقع أحد أن يطول النزوح كل هذا الوقت.
"هبط وزني إلى 54 كيلو جرامًا بعد أن فقدت 15 كيلو، وأثرت ظروف التغطية القاسية على صحتي وعلاقاتي العائلية".
يتهدّج صوت ربا وهي تستعيد تلك الأيام المؤلمة، متحدثة عن أثر النزوح وسوء التغذية على صحتها وصحة أطفالها، فإلى جانب مسؤولياتها الكبيرة كأم، كانت التغطية اليومية تستنزف طاقتها الجسدية والنفسية، بينما لم تترك لها وتيرة الحرب المتسارعة أي مجال للراحة.
تشرح: "كنت أمّاً لأربعة أطفال ومرضعة. هبط وزني إلى 54 كيلو جرامًا بعد أن فقدت 15 كيلو. أثرت ظروف التغطية القاسية على صحتي وعلاقاتي العائلية، فلم أجد الوقت الكافي للتواصل مع أهلي الذين نزحوا من غزة بعد فترة طويلة من بدء الحرب، في ظل ضغط العمل وصعوبة الأحداث وتلاحقها".
خلال عملها كانت ربا ترى المجازر أمام عينها مباشرة، وتغطي أوضاعًا إنسانية قاسية تعيش هي تفاصيلها اليومية بصفتها نازحة. شهدت عمليات انتشال الضحايا من تحت الأنقاض، وسمعت مرارًا صرخات مرضى وجرحى كانوا بحاجة ماسة لمسكنات تخفف آلامهم الشديدة.

تقول: "كانت صدمات نفسية متتالية ولم يكن لدي وقت للتوقف أو الفصل بين مشاعري وبين الأحداث".
تصف ربا ما عاشته بأنه أشبه بـ"ضربات متواصلة على الرأس"، مضيفة: "كانت حالتنا النفسية متعبة جدًا، أغطي جرائم الاحتلال وفي ذات الوقت لدي التزامات ثقيلة تجاه أطفالي الذين يعانون ظروفاً نفسية صعبة، فقد شاهدوا مشاهد قاسية خاصة عندما تعرض منزل جيراننا للقصف. كانوا بحاجة لمن يساعدهم على تجاوز الصدمة، وأنا عاجزة عن القيام بهذا الدور، وهذا الأمر يؤلمني من أعماق قلبي".
عانت ربا تدهورًا نفسيًا كبيرًا بفعل قسوة المشاهد والقصص التي تنقلها، حتى إنها كلما صادفت طفلًا خائفًا تحاول طمأنته وتصبيره، وتقول في سرها: "ربما العمل الصالح يعود بالنفع، ويجد أطفالي من يحتضنهم ويمنحهم الأمان في لحظات الخوف".
تتنهد ربا وتتابع: "عشت صراعًا مستمرًا بين عملي ومهنيتي وبين أمومتي وكرامتي الإنسانية. أبسط الاحتياجات الأساسية لم تكن متوفرة، وجميع الصحفيات شعرن بذلك (..) كنا نبحث عن ملابس لائقة نظهر بها أمام الكاميرا، ولا أحد يعرف حجم المعاناة التي عشناها لنحصل على قطعة ملابس مناسبة".
"لم تكن دوامة فحسب، بل كنا كأننا داخل مطحنة حقيقية، تحت كسارة تأكل كل شيء جميل فينا".
تضيف: "حتى بشرتنا تغيرت وتعبت، ولم نجد واقي الشمس الذي يعتبر من أساسيات الظهور أمام الكاميرا.. كل إنسان يحب أن يظهر بمظهر لائق وكريم، لكن هذا الوضع جعلنا نشعر أحياناً بضعف الثقة بأنفسنا"، مردفةً: "حاولت تجاوز ذلك لأننا لم نكن نملك رفاهية التفكير في مظهرنا، كنا منشغلين طوال الوقت بمتابعة أعداد الشهداء وقصصهم، كنت أدخل مجموعات التواصل لأحصي أعداد الشهداء وأتأكد منها، وأحصيت في أحد الأيام 70 شهيداً خلال خمس دقائق فقط".
نسيت ربا كما تقول الكثير من تفاصيل حياتها الطبيعية، وتصف ما عاشته بقولها: "لم تكن دوامة فحسب، بل كنا كأننا داخل مطحنة حقيقية، تحت كسارة تأكل كل شيء جميل فينا".
لم تكن المعاناة مقتصرة على القصف والنزوح فقط، بل حتى الذهاب إلى الحمام كان تجربة قاسية ومؤلمة، خاصة في المخيمات العامة.
تقول ربا: "كنا نبحث عن أبسط حقوقنا في الخصوصية والكرامة".
قبل الخروج لعملها كانت ربا تبحث عما توفر من دقيق، حتى إن وُجد فيه السوس، تنخّله وتضيف إليه القليل من الفانيلا لتحسين رائحته، ثم تعجنه وتخبزه.
تفاصيل المجاعة كانت حاضرة بقوة في حديث ربا، فهي أمٌ لأربعة أطفال، وقبل الخروج لعملها كانت تبحث عما توفر من دقيق، حتى إن وُجد فيه السوس، تنخّله وتضيف إليه القليل من الفانيلا لتحسين رائحته، ثم تعجنه وتخبزه وتقسمه أرباعًا بين أطفالها، قبل أن تنطلق لعملها.
تسحب نفسًا عميقًا وتكمل: "أحياناً أجد الكمية غير كافية، فأترك نصيبي كاملًا لأطفالي، وأكتفي بالبدائل البسيطة، كوب من الشاي أو فنجان من القهوة إن توفر".
من عاش في غزة، يعرف حجم الجهد الخرافي الذي بذله الصحافيون والصحافيات لنقل الصورة كما هي، وإيصال حقيقة ما يحدث للعالم.
تقول ربا: "كنا نشعر بمسؤولية كبيرة تجاه نقل الحقيقة، لكن هذه المسؤولية كانت تترافق مع شعور دائم بالعجز الشديد أمام حجم المأساة".
"كنا نشعر بمسؤولية كبيرة تجاه نقل الحقيقة، لكن هذه المسؤولية كانت تترافق مع شعور دائم بالعجز الشديد أمام حجم المأساة".
ترى ربا أن عمليات الإسقاط الجوي للمساعدات حملت شعوراً يجرح كرامة الناس، لكن الأصعب والأشد حضوراً في ذاكرتها ظل أصوات الأطفال.. أصوات لم تستطع الحرب محوها من رأسها، ودَفعتها للجوء إلى جلسات الدعم النفسي.
تقول: "رغم أهمية هذه الجلسات، لكنني أستشعر أحياناً أنها عاجزة عن احتواء حجم الصدمات الكبيرة التي عشناها. أحاول تفريغ ما بداخلي من خلال الحديث مع صديقاتي العاملات في مجال الدعم النفسي، فالحديث عما عشته يمنحني بعض القوة للمواصلة".
كانت ربا تخرج للتغطية وهي تشعر بالخوف، لكن: "بصفتنا أصحاب حق في نقل ما يحدث، كنا نمتلك الشجاعة الكافية للاستمرار والمطالبة بحقنا في أداء عملنا والقيام بواجبنا".
مع الوقت أخذ الصراع شكلًا أكثر عمقاً داخل ربا، بين مهنيتها ومسؤولياتها كأم. تنظر إلى أطفالها الذين ينتظرون عودتها بشوق، وتتساءل: "هل أملك نفسي حقًا حتى أخاطر بحياتي؟ هل ما أفعله صحيح، وأنا أم لأربعة أطفال ينتظرون عودتي سالمة؟".
تختم: "في النهاية كنا نؤدي عملنا ونلتزم بحدود مهنتنا بكل أمانة، في وقت كان الاحتلال يعامل الصحفيين والصحفيات كأهداف عسكرية مباشرة، ويضع حياتهم وحياة أسرهم أمام خطر دائم ومستمر".
