وظائف الحرب.. هل يدخل المتقدمون من الباب نفسه؟
تاريخ النشر : 2026-09-02 16:29

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

قبل الإبادة، كان محمود زيادة (33 عامًا)، يعمل مديرًا لإحدى الشركات المحلية الخاصة، لكنه مع إعلان دولة الاحتلال الإسرائيلية حربها على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023م، فقد وظيفته.

بدأ الرجل الحامل لشهادة الماجستير في المحاسبة خلال الأشهر الأولى بتقديم عشرات الطلبات الوظيفية إلى مؤسسات دولية، ظنًا منه أن خبرته العملية الطويلة ستتيح له فرصة التقدم لأي وظيفة. كان يفتح إعلانات الوظائف التي تنشرها المؤسسات الإنسانية، وفي كل مرة يجد نفسه قريبًا من الشروط المطلوبة، إلا أن محاولاته كانت تنتهي بالنتيجة ذاتها، رفض الطلب.

يقول لـ"نوى": "لم تكن المشكلة أنني لم أحصل على الوظيفة، فهذا أمر يحدث في أي منافسة، المشكلة أنني لم أعرف أين كان الخطأ، ولم يتم توضيح المعايير التي جرى على أساسها اختيار المتقدمين"، مردفًا بحرقة: "لا أدري إن كنتُ أخرج من المنافسة قبل أن تبدأ أصلًا".

"قابلت جاري الذي تقدم للوظيفة ذاتها، وأنا أعرف جيدًا أنه لا يملك خبرة فيها، عدا عن مؤهله العلمي، لكنه أخبرني أنه قُبل بمساعدة أخيه".

أكثر المواقف التي بقيت في ذاكرته، كانت حين تقدم إلى وظيفة تتناسب مع خبرته داخل مؤسسة دولية، وبعد فترة، وصلته رسالة رفض عبر البريد الإلكتروني.

يعقب: "قابلت جاري الذي تقدم للوظيفة ذاتها، وأنا أعرف جيدًا أنه لا يملك خبرة فيها، عدا عن مؤهله العلمي (دبلوم في المحاسبة)، لكنه أخبرني أنه قُبل بمساعدة أخيه الذي يعمل في المؤسسة ذاتها".

وتتحفظ "نوى" على اسم المؤسسة التي ذكرها زيادة، الذي تابع: "لا أملك دليلًا يثبت أن العلاقة كانت سببًا في التعيين، ولا أقدم روايتي باعتبارها حُكمًا على المؤسسة، لكنني أرى أن غياب التوضيح يترك المتقدمين أمام مساحة واسعة من الشك".

ويضيف: "نحن لا نطلب أن تكون الوظيفة مضمونة لنا، نريد فقط أن نعرف أن الجميع دخلوا من الباب نفسه".

**رفض بلا أسباب

رؤى أبو عبادي (25 عامًا) وهي خريجة هندسة حاسوب، وتمتلك خبرة في إدارة المشاريع. بدأت هي الأخرى رحلة البحث عن فرصة عمل داخل المؤسسات الإنسانية، بعد تراجع فرص العمل في القطاعات الأخرى.

تقدمت إلى عدة وظائف تتناسب مع خبرتها، لكن دون جدوى. تقول لـ"نوى": "كنت أقرأ وصف الوظيفة وأجد أن لدي معظم الشروط المطلوبة، لذلك كنت أتوقع -على الأقل- الوصول إلى المقابلة، لكن يا للأسف، تكرر الرفض مرات عديدة دون توضيح السبب".

"أصعب ما في فكرة تقديم الطلب ليس الرفض، وإنما عدم توضيح سببه، خصوصًا إذا توافقت الخبرة مع متطلبات الوظيفة".

حسب رؤى: "إن أصعب ما في فكرة تقديم الطلب ليس الرفض، وإنما عدم توضيح سببه، خصوصًا إذا توافقت الخبرة مع متطلبات الوظيفة".

وتضيف: "إذا كان هناك شخص أفضل مني فهذا حقه، السوق قائم على الاختيار، المشكلة عندما لا تعرف هل تم تقييمك أصلًا على أساس مهني أم لا".

** شهادات عن قبول المستفيدين

خلال إعداد التقرير، تحدث عدد من العاملين في القطاع الإنساني، طلبوا عدم ذكر أسمائهم وأماكن عملهم خوفًا من فقدان وظائفهم، عن ظروف التوظيف خلال مراحل الطوارئ، مشيرين إلى أن طبيعة العمل فرضت أحيانًا الحاجة إلى تعيين موظفين خلال وقت قصير.

ومع توسع العمليات الإنسانية، ظهرت الحاجة إلى وظائف متعددة، منها العاملون في الدعم اللوجستي، وإدخال البيانات، والباحثون الميدانيون، وموظفو متابعة المشاريع.

أحد العاملين -وطلب عدم ذكر اسمه- قال "إن بعض المؤسسات كانت تبحث عن أشخاص يستطيعون البدء بالعمل بسرعة، ما أدى أحيانًا إلى الاعتماد على ترشيحات شخصية".

ويرى أن هذا الأسلوب قد يكون مفهومًا في بعض الظروف الاستثنائية، إلا أن المشكلة تظهر عندما تصبح العلاقات الشخصية طريقًا متكررًا للوصول إلى الوظائف.

وتابع: "حتى الوظائف التي يمكن تعلمها أثناء العمل تحتاج إلى شخص يمتلك الحد الأدنى من الكفاءة، لأن الخطأ في العمل الإنساني قد يؤثر على وصول المساعدة إلى الناس".

طبيبة: "تتغاضى المستشفى التي أعمل بها عن أطباء وممرضين لديهم ازدواجية مهنة، ولا تسمح لغيرهم إلا بالعمل في الوظيفة الحكومية".

أما الطبيبة نور، التي تعمل في أحد المشافي الحكومية التي تكفلت بها بعض المؤسسات الطبية الدولية، فتقول: "بعيني رأيت كشفًا كاملًا، يوجد به أقارب مدير القسم موزعون ما بين مراسل وعامل نظافة وحراسة، ثم يرسلون كشفًا وهميًا لإدارة المشفى بأنه تم اختيار أسماء أخرى ضمن الإعلانات التي تطرحها المؤسسة الدولية".

والغريب في الأمر -حسب نور- التي فضلت عدم ذكر اسمها بالكامل أو اسم المشفى، أن إدارة المشفى أصدرت قرارًا بعدم ازدواجية المهنة، بحيث يكون على الموظف الاختيار بين أن يبقى موظفًا حكوميًا براتب لا يتجاوز 500 دولار، أو ينتقل للعمل في المؤسسات الأخرى التي يعمل معها. تعلق ضاحكة: "في نفس الوقت، تتغاضى عن أطباء وممرضين لديهم ازدواجية مهنة، ولا تسمح لغيرهم إلا بالعمل في الوظيفة الحكومية".

الوظائف المؤقتة.. حلم صعب المنال

ومع بدء الإبادة، انقلب سوق العمل رأسًا على عقب، واختفت الوظائف تمامًا، وظهرت وظائف جديدة مستحدثة تناسب ظروف الحرب، فيما فقد آلاف العمال مصادر دخلهم، وأصبح الاعتماد على المشاريع الإنسانية أحد المسارات القليلة للحصول على فرصة تشغيل.

ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، وصلت نسبة البطالة بين المشاركين في القوى العاملة إلى نحو (68%) خلال فترة الحرب، مقارنة بنحو (45%) في الربع الثالث من عام 2023م، كما انخفضت نسبة المشاركة في القوى العاملة إلى نحو (25%)، مقارنة بنحو (40%) قبل الحرب، فيما أصبح نحو (74%) من الشباب خارج العمل أو التعليم أو التدريب.

"الإحصاء": "وصلت نسبة البطالة بين المشاركين في القوى العاملة إلى نحو (68%) خلال فترة الحرب، مقارنة بنحو (45%) في الربع الثالث من عام 2023م".

وقد تفسر هذه الأرقام حجم الضغط الذي تواجهه المؤسسات عند الإعلان عن أي وظيفة، ومع ارتفاع أعداد المتقدمين، تصبح آليات الاختيار محور شك لدى بعض المتقدمين إلى المؤسسات الأهلية والدولية.

** مؤسسات أهلية ودولية رفضت الرد

حاولنا الاتصال بأكثر من مؤسسة دولية ومحلية تطرح الوظائف المؤقتة، للحصول على توضيحات حول آليات التوظيف، ومعايير اختيار الموظفين، وطبيعة التعامل مع الشكاوى المتعلقة بالواسطة أو تضارب المصالح.

وتضمنت الأسئلة التي كانت معدة لإدارات تلك المؤسسات، محاور عن آليات تشكيل لجان المقابلات، وعدد مراحل الفرز، ووجود أنظمة لمنع تضارب المصالح، وطريقة التعامل مع اعتراضات المتقدمين.

وحتى موعد إعداد التقرير، لم تصلنا أية ردود.

ولا يمكن تعميم تجارب المتقدمين على جميع المؤسسات الإنسانية، كما لا يمكن اعتبار كل رفض دليلًا على وجود تدخلات غير مهنية، فمؤسسات عديدة تعمل وفق إجراءات ومعايير مرتبطة بجهات مانحة وأنظمة رقابية، كما أن طبيعة العمل الطارئ تفرض أحيانًا اتخاذ قرارات سريعة.

** بين الاختيار والفجوة على أرض الواقع

وتؤكد المؤسسات الإنسانية عادة وجود إجراءات واضحة للتوظيف، تشمل الإعلان عن الوظائف، وفرز الطلبات، وإجراء المقابلات، والاختيار عبر لجان، فيما يرى مختصون أن وجود هذه الإجراءات لا يعني اختفاء جميع الثغرات.

وائل بعلوشة، المدير الإقليمي للائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان"، يقول: "إن المؤسسات الأهلية تعمل ضمن منظومة رقابية تشمل الجهات الرسمية، ومجالس الإدارة، والتدقيق الداخلي، وشروط الجهات المانحة".

ويشير إلى أن المشكلة لا تظهر دائمًا على شكل فساد مباشر، فقد تكون مرتبطة بفجوات تؤثر على شعور المتقدمين بالعدالة.

بعلوشة: "تعزيز الثقة يحتاج إلى خطوات إضافية، مثل توضيح أسباب عدم قبول المتقدمين، وتقديم تغذية راجعة، وتطوير أدوات تقلل احتمالات التحيز".

ويعطي مثالًا على مرحلة إعداد الشروط المرجعية للوظائف، حيث قد تؤدي بعض المتطلبات التفصيلية إلى منح أفضلية لأشخاص لديهم خبرة سابقة مع المؤسسة نفسها.

ويقول بعلوشة: "إن تعزيز الثقة يحتاج إلى خطوات إضافية، مثل توضيح أسباب عدم قبول المتقدمين، وتقديم تغذية راجعة، وتطوير أدوات تقلل احتمالات التحيز".

** نقابة العمال: التشغيل المؤقت لا يعالج الأزمة

بدوره، يرى الدكتور سلامة أبو زعيتر، عضو الأمانة العامة لنقابة العمال، أن أزمة التوظيف لا ترتبط فقط بعدد الفرص المتاحة، وإنما بطريقة توزيعها أيضًا.

ويشير إلى أن برامج التشغيل المؤقت قدمت دعمًا لعدد من العمال، لكنها لم تحقق استقرارًا مهنيًا أو اقتصاديًا.

ويقول لـ"نوى": "العقود التي تمتد لثلاثة أو ستة أشهر تقدم حلًا مؤقتًا، بينما سوق العمل يحتاج إلى سياسات توفر استدامة".

أبو زعيتر: "نطالب بإشراك النقابات والجهات المهنية في وضع شروط التشغيل، والمشاركة في الرقابة على عمليات الاختيار".

ويضيف: "النقابات تستقبل شكاوى مرتبطة بآليات التشغيل، منها شكاوى حول استفادة أشخاص تربطهم علاقات بجهات معينة، أو تكرار حصول أفراد من العائلة نفسها على عقود تشغيل، بينما تبقى أسر أخرى خارج هذه البرامج".

كما يشير إلى حالات يعمل فيها أشخاص في مجالات لا ترتبط بتخصصاتهم، بينما يبقى أصحاب الخبرة والتخصص خارج سوق العمل.

ويطالب بإشراك النقابات والجهات المهنية في وضع شروط التشغيل، والمشاركة في الرقابة على عمليات الاختيار.

وتكشف شهادات الباحثين عن العمل قضية تتجاوز مجرد الحصول على وظيفة مؤقتة، لتلامس مساحة الثقة بين الإجراءات المكتوبة والتجربة التي يعيشها المتقدم.

ومن أجل تحقيق الشفافية، يحتاج المتقدم إلى معرفة أن المنافسة جرت وفق قواعد واضحة، وأن خسارته جاءت بسبب معيار مهني يمكن فهمه، وأن يعرف سبب رفضه، أو على الأقل درجته بين المتقدمين.