أطفالٌ يقيمون جنائز من "ورق": "هذا أبي.. هذه جدتي"
تاريخ النشر : 2026-09-01 12:06
صورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

يرصُّ تسعة أطفال لفافاتٍ ورقية بيضاء على هيئة جثامين، ثم يشير كل واحد منهم بإصبعه إلى واحدة منها: "هذا أبي، هذا عمي، هذه جدتي". بعدها يشيّعونها ويدفنونها إلى جوار خيمتهم، في مخيمٍ للنازحات الأرامل غربي مدينة غزة.

قد تبدو لعبةً عابرة، لكنها ليست كذلك بالنسبة لأطفال عائلة أبو صلاح التسعة، فالموت الذي يعيدون تمثيله كل يوم ليس خيالًا، وإنما مشهدٌ حقيقي حُفر في ذاكرتهم منذ أعدم جيش الاحتلال والدهم وجدهم وجدّتهم وأعمامهم في بداية الحرب، ثم حرمهم من توديعهم أو حتى دفنهم.

تراقب الأرملتان نهاد وسهاد أبو صلاح أطفالهن وهم يحاولون استعادة ما عجزوا عن فهمه يومها. تقول نهاد (36 عاماً): "نعاني منذ ذلك الحين حالة نفسية صعبة، نحن وأطفالنا (..) نعيش بلا معيل في مخيم، ونربي تسعة أطفال بحاجة إلى الرعاية. حتى شقيقتي سهاد فقدت النطق فترة طويلة منذ شاهدت زوجها وباقي أفراد العائلة ملقون على الأرض جثثًا هامدة".

كانت عائلة أبو صلاح تقيم في بيت حانون شمالي قطاع غزة، ومع اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023م، نزحت إلى مدرسة حمد بن خليفة في بيت لاهيا، بحثاً عن أمان ظنته متاحاً.

أجبر الاحتلال النازحين على مغادرة المدرسة، وبينما كانت نهاد وسهاد تخرجان بأطفالهما، وقعت عيناهما على جثامين أفراد عائلتهما وقد أُعدموا رمياً بالرصاص.

لكن في السادس من ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، أعدم قناص إسرائيلي ابن شقيق زوجي نهاد وسهاد، فتوجه أفراد من العائلة لدفنه خارج المدرسة، ولم يعودوا.

وبعد 24 ساعة، أجبر الاحتلال النازحين على مغادرة المدرسة، وبينما كانت نهاد وسهاد تخرجان بأطفالهما التسعة، وقعت عيناهما على جثامين أفراد عائلتهما وقد أُعدموا رمياً بالرصاص.

تقول نهاد: "كانوا ملقين على الأرض، حماتي تحتضن اثنين من أسلافي، وكأنها تحاول حمايتهم لحظة الموت. كان الدم يغطي المكان، والراية البيضاء ملقاة إلى جوار عمي"، متابعةً بحسرة: "سهاد سقطت على الأرض من هول الصدمة، ولم نستطع حتى البكاء. صرخ الجنود في وجوهنا وأجبرونا على مواصلة السير وترك الجثامين، التي لم نعرف عنها شيئاً حتى الآن".

منذ ذلك اليوم، واصلت الأرملتان رحلة النزوح من مكان إلى آخر برفقة أطفالهما التسعة، وكل محطة تركت في ذاكرتهما مشهداً جديداً من الخوف.

تروي نهاد: "في الطريق كانت الدبابات تحيط بنا، والجنود يوجهون أسلحتهم نحونا. فصلوا الرجال عن النساء، ولم نعرف مصير الرجال (..) رأينا شباناً يُجبرون على خلع ملابسهم تحت المطر، وأشخاصاً يُقتلون، والأطفال يشاهدون كل ذلك".

لم تمر هذه المشاهد من أمام الأطفال ثم تنتهي، بل بقيت معهم.. أصبحوا أكثر عصبية وخوفاً، وتغيرت طريقة لعبهم ونظرتهم إلى الحياة، حتى غدت الجنازة لعبتهم الأكثر تكرارًا.

تقول سهاد (40 عاماً): "يلعبون لعبة الجنازة، يضعون الأغطية بجوار بعضها، ويقولون: هذا أبي، وهذا عمي، وهذه جدتي، وكأنهم يعيدون تمثيل المشهد الذي رأوه".

وكانت سهاد نفسها قد عاشت الصدمة حتى فقدت قدرتها على الكلام. ظلت تبكي في حضن والدتها داخل أحد مراكز الإيواء لشهور، فيما تولت نهاد رعاية الأطفال التسعة، قبل أن تستعيد حديثاً قدرتها على النطق، وإن بقيت قليلة الكلام، على خلاف ما كانت عليه قبل الحرب.

تقول سهاد: "وصلنا إلى المدرسة كلنا في حالة صدمة، ولم نحمل شيئاً من أمتعتنا. في الطريق تعرضنا للقصف، بينما لم أكن قادرة على المشي أو إدراك ما يجري حولي".

وعندما أجبر الاحتلال النازحين على الخروج من منطقة الصناعة غربي غزة، قُسم الناس إلى مجموعات وساروا باتجاه البحر منذ التاسعة صباحاً حتى الليل.

تصف سهاد الطريق بالقول: "كان مرعباً.. جثث الشهداء في كل مكان، وأطفالنا يصرخون من الخوف".

كان الجنود ينادون النازحين عبر مكبرات الصوت ويطلبون منهم الجري بأقصى سرعة، وسط تهديدات بوقوع انفجارات. لم يكن معهم طعام أو ماء، فيما كان الأطفال يواجهون الجوع والعطش.

وتكمل: "سرنا ونحن لا نعرف مصير الرجال الذين احتجزوهم. رأينا شباناً أُجبروا على خلع ملابسهم والسير عراة تحت المطر والبرد، لكن نساء تبرعن لهم بجاكيتات".

وتتذكر نهاد مشهداً آخر لم يفارقها: "أتذكر جيداً إعدام طفل يبلغ من العمر 13 عاماً على شارع الرشيد. كانت أمه تبحث عنه وتصرخ، ويبدو أنه ضل الطريق وسار في غير الطريق الذي حدده الجنود، فقُتل أمامنا، ولم تستطع أمه توديعه".

وفي وسط هذه العائلة المكلومة، يحمل محمد، ابن نهاد الأكبر، وجعاً آخر، فالفتى البالغ من العمر 13 عاماً يعاني مرضاً في القلب ويحتاج يومياً إلى خمسة أنواع من الأدوية، انقطع عنها منذ بداية الحرب، فيما أدى سوء التغذية إلى تراجع حالته الصحية حتى أصبح لا يقوى على فعل شيء.

تقول أمه: "أصبح يتعب من أي مجهود، بينما أنا لا أستطيع توفير علاجه الذي يكلف شهرياً أكثر من 250 شيكلاً، وهذا فوق طاقتي (..) اضطررت إلى الاستدانة مرات، لكنني لا أستطيع الاستمرار".

أما محمد فيقول: "الحرب بشعة جداً، سرقت مني أبي وجدي، كان أبي يحبني ويوفر لي الدواء لكنني اضطررت للعمل في مخبز فترةً، وكنت أحصل على عشرة شواكل يومياً لتوفير ثمن الدواء، إلا أنني لم أستطع المواصلة بسبب التعب من الدخان والحر".

وحين خرج قريب والده من سجون الاحتلال بعد اعتقاله منذ بداية الحرب، بكى محمد وقال: "يا ريت أبويا معتقل وطلع زي ما أبوهم طلع".

يتنهد الفتى وهو يستعيد ذكريات أبيه وجده وجدته وأعمامه الذين حُرم منهم جميعاً، لكنه لا يزال يحتفظ بأمنية صغيرة تشبه الحياة التي كان ينبغي أن يعيشها: أن تنتهي الحرب، وأن يتعالج، وأن يكبر ويصبح طبيباً.

أما نهاد، فلا تملك سوى بعض المساعدات المتفرقة لتربية أطفالها التسعة، في مخيم للنازحات الأرامل تخلى عنه الداعم، بينما تتراكم الاحتياجات من العلاج إلى الطعام وصولاً إلى الخيمة نفسها.

فالأطفال الذين يتلقون بعض جلسات الدعم النفسي يحتاجون، وفق توصيات الأطباء، إلى جلسات مستمرة ومنتظمة، لكن العائلة لا تستطيع توفير أبسط احتياجاتها؛ حتى إيجار الأرض المقامة عليها الخيمتان، والبالغ 400 شيكل، أصبح عبئاً يدفع الأرملتين أحياناً إلى بيع الطرود الغذائية لتأمينه.

وهكذا، لا تنتهي لعبة الموت حين ينهض الأطفال من جوار جثامينهم الورقية.. يعودون إلى الخيمة، وتعود معهم الذاكرة إلى أبٍ وجدٍ وعم لم يجدوا من يدفنهم.. في غزة، لم تسرق الحرب من هؤلاء الأطفال عائلاتهم فحسب، بل سرقت منهم حتى حقهم في أن تكون ألعابهم عن الحياة.