عيون نساء غزة.. ثمن "اللقمة" على نار الحطب!
تاريخ النشر : 2026-08-30 13:07

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

النار في غزة ليست مجرد وسيلة لإعداد الطعام أو تسخين الماء، صارت جزءًا من يوم النساء، يطفئنها إذا ما حلَّ الليل، ثم يعدن إليها في اليوم التالي رغم الدخان؛ لأن لا شيء آخر متاح.

وبينما تبحث العائلات عما يسد جوعها، تدفع عيون النساء ثمنًا آخر لهذه النار، يبدأ بحكة واحمرار، وقد ينتهي بضعف في الرؤية.

كان جفاف العين والتهابها من المشكلات التي ترتبط عادة بكبار السنفي غزة، لكن الحرب غيّرت المشهد بعدما أجبرت ندرة الغاز وارتفاع أسعار الوقود عائلات كثيرة على استخدام الحطب والبلاستيك ومخلفات أخرى لإشعال النار، غالبًا في أماكن ضيقة أو سيئة التهوية، لتصبح العيون في مواجهة يومية مع الدخان والجزيئات المهيجة.

طبيب عيون: "مع نقص مواد الإشعال، بدأت النساء يصلن بأعراض الاحمرار والحكة، قبل أن تظهر لدى بعضهن أكياس دهنية ومضاعفات أخرى".

يقول طبيب العيون عدنان أبو الفول: "طبيعة الحالات التي تصل إلى العيادة تبدلت منذ بداية الحرب. في بدايتها، كان معظم المراجعين من المصابين بشظايا جراء الاستهدافات، لكن مع استمرار الحرب ونقص مواد الإشعال، خصوصًا الغاز، بدأت النساء يصلن بأعراض مختلفة.. احمرار وحكة وشعور دائم بوجود جسم غريب داخل العين، قبل أن تظهر لدى بعضهن أكياس دهنية ومضاعفات أخرى".

ويعالج أبو الفول يوميًا نحو 50 حالة، بينها قرابة 20 امرأة يعانين من مشكلات مرتبطة بالتعرض لدخان إشعال النار.

ويوضح أن الفحص الطبي يكشف في كثير من الحالات عن جفاف العين، الذي يقود إلى الحكة ثم التهاب الملتحمة، فيما قد يتفاقم الوضع مع استمرار التعرض للدخان والحك المتكرر.

نعمة مصلح (42 عامًا)، من بيت حانون، شمالي قطاع غزة، هي واحدة من هؤلاء النساء. لم تكن تعرف أن الوقوف أمام النار لإعداد الطعام يمكن أن يحوّل عينيها إلى مصدر ألم لا ينقطع، حتى بدأت الحكة تشتد يومًا بعد آخر، وشعرت كأن شيئًا عالق بداخلهما.

تقول: "مع تكرار تعرضي لدخان النار أصبت بحكة شديدة في عيني، وكانت تزداد يومًا بعد يوم. أخبرني الطبيب أنني أعاني من جفاف تطور إلى التهابات حادة نتيجة الحك المستمر".

بعد التشخيص، اصطدمت نعمة بعائق آخر، حيث أن قطرات العين لم تكن تتوفر بسهولة، وحين عثرت عليها كان سعرها أعلى من قدرتها. تحسنت حالتها قليلًا بعد استخدامها، لكنها لم تستطع شراءها مجددًا، فعادت بعد أسبوع إلى الطبيب وقد ساءت حالتها".

تضيف: "حدث تمزق في القرنية تسبب في ضعف الرؤية لدي. حاليًا أرتدي النظارات وأستخدم القطرة خوفًا من فقدان النظر".

تحاول نعمة الابتعاد عن النار قدر الإمكان، لكنها لا تملك رفاهية ذلك.  تخبرنا: "لدي أطفال وزوج، ولا نجد بديلًا عن النار للطبخ".

ولا تقف مضاعفات الدخان عند حدود الحكة والاحمرار، إذ يوضح أبو الفول أن التعرض المتكرر له، خصوصًا في الأماكن المغلقة، يهيج سطح العين وقد يؤدي إلى التهاب الملتحمة، كما يمكن أن تظهر الأكياس الدهنية في جفن العين، أو ما يعرف طبيًا بـ"البردة"، نتيجة انسداد الغدد الدهنية الصغيرة في الجفن.

رائدة صالحة (39 عامًا)، من حي الصفطاوي شمالي مدينة غزة، اختبرت ذلك بنفسها. اضطرت إلى استخدام البلاستيك لإشعال النار بعدما ارتفع سعر الحطب، وفي أثناء إعداد الطعام شعرت بحكة شديدة وشيء غريب في عينها. غسلتها بالماء، لكن الاحمرار والحكة لم يزولا.

في اليوم التالي ظهرت كتلة في جفنها، قبل أن يخبرها الطبيب بأنها كيس دهني نتيجة الحك والتعرض لدخان النار. خضعت لعملية لإزالته، ولا تزال تراجع الطبيب، فيما طلب منها تجنب إعداد الطعام على النار، وهو طلب يصعب عليها تنفيذه في ظل غياب البدائل.

طبيب عيون: "التهاب الملتحمة قد يبدو بسيطًا في بدايته، لكنه يصبح أكثر خطورة إذا امتد إلى القرنية، خصوصًا مع استمرار التعرض للدخان والحكة وإهمال العلاج".

أما أبرار جودة (31 عامًا) من حي تل الهوا، فقد امتدت معاناتها إلى ضعف الرؤية.

كانت تتعرض باستمرار لدخان مواقد الحطب والنار المستخدمة في الطهي، حتى أصيبت بالتهابات شديدة في ملتحمة العين، وتقول: "قبل الحرب لم أكن أعاني من أي مشكلة في النظر، لكن الطبيب أخبرني أن الالتهابات الشديدة في ملتحمة العين أدت إلى ضعفه. حاليًا أحاول تخفيف استخدام النار، لكن لا أستطيع الاستغناء عنها".

يحذر أبو الفول من أن التهاب الملتحمة قد يبدو بسيطًا في بدايته، لكنه يصبح أكثر خطورة إذا امتد إلى القرنية، خصوصًا مع استمرار التعرض للدخان والحكة وإهمال العلاج.

وقد يؤدي التهاب القرنية إلى الألم والحساسية للضوء وتشوش الرؤية أو انخفاضها، وفي الحالات الشديدة قد يتطور إلى قرحة وتندب يتركان أثرًا دائمًا على النظر.

وفي غزة، يواجه المرضى نقصًا في الأدوية والقطرات وارتفاع أسعار المتوفر منها، إلى جانب تضرر أجهزة فحص وتصوير العين في المنشآت الطبية ونقص العدسات اللازمة للنظارات.

وهكذا تظل نساء غزة أمام معادلة قاسية؛ يشعلن النار لأن الطعام لن ينضج وحده، ويقتربن منها لأن لا خيار آخر أمامهن، ثم يحملن في عيونهن أثر ذلك الدخان. ما يبدأ بحكة عابرة قد يتحول إلى التهاب، بينما تبقى النار، رغم كل ما تتركه، ضرورة لا يملكن التخلي عنها.