غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في خيامٍ ضاقت بأهلها حتى غدت أشبه بفرنٍ مُتّقد تحت لهيب شمس الصيف الحارقة، تتقاطع نيران الحرب مع نيران النزوح.
وبينما يكافح النازحون للبقاء في خيام لا تقيهم حرّا ولا بردًا، يواجه الأطفال خطرًا آخر لا يقل فتكًا؛ مواقد بدائية حلت مكان غاز الطهي، وقذائف ومسيّرات تُشعل محيط الخيام، ومواد بلاستيكية ونايلون يمكن أن تتحول في لحظات إلى نار تلتهم كل ما تصادفه.. ولو كان طفلًا يلعب.
هناك، لا تنتهي المأساة بانطفاء اللهب، إذ تبدأ بعدها رحلة أخرى من الألم، داخل خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات العلاج "مراهم ومسكنات"، وفي ظل منظومة صحية أخرجها العدوان عن الخدمة.

في مخيم جباليا للاجئين شمالي قطاع غزة، وتحديدًا في بقعة نزوح ضيقة داخل مدرسة آوت إليها الفارين من الموت، كانت الطفلة ريتال حلاوة (5 سنوات) تحاول اقتطاع لحظة فرح صغيرة بين أزقة الخيام.
لم تكن تعلم أن مسيّرة إسرائيلية من نوع "كواد كابتر" ستلقي قنبلة حارقة في محيط خيمتها المتهالكة، ليتطاير اللهب ويلتهم الجانب الأيسر من جسدها الصغير.
تجلس أم ريتال اليوم بجوار ابنتها في الخيمة، تحاول بقطعة قماش مبللة بالماء غير النقي تخفيف اللسعات التي تنخر جسد الصغيرة.
"أسرعتُ أصرخ وأحاول إطفاء الجمر بيديّ المجرّدتين، لكن اللهب كان أسرع وأكل وجهها ورقبتها".
تذكر الأم لحظة الفاجعة بصوت يختنق بالبكاء: "كانت ريتال تلعب أمام الخيمة، وفي ثوانٍ معدودة رأيت النار تلتهم ملابسها وشعرها".
تضيف: "أسرعتُ أصرخ وأحاول إطفاء الجمر بيديّ المجرّدتين، لكن اللهب كان أسرع وأكل وجهها ورقبتها". اليوم لا تستطيع ريتال النوم، وتظل طوال الليل تصرخ: "أمي، أشعر بنار تحرق جسدي، أزيحوا النار عني".
ووفق الأم، فإن الأطباء في المستشفى المعمداني أخبروها أن المادة الحارقة تسببت في التصاقات واسوداد شديد في الجلد، وأن العلاج غير متوفر في القطاع، وتلزمها عمليات تجميل وزراعة جلد في الخارج فورًا.
تقول بحرقة: "أرى طفلتي تذوب أمام عيني كل يوم، ولا أملك لها سوى العناق والبكاء".

في منطقة المواصي غربي مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، التي يصنفها الاحتلال زورًا بـ"الآمنة"، حكايةٌ أخرى، حيث كانت الطفلة رنين (11 عامًا) ضحية ارتباك النزوح والخوف.
لحظة استهداف خيمة مجاورة لشريط خيامهم بقذيفة مدفعية، سادت بعدها حالة من الهلع الشديد. ركضت رنين داخل مساحة الخيمة الضيقة لتحتمي بوالدتها، فاختل توازنها وسقطت مباشرة فوق قدر ضخم مملوء بماء يغلي، كان معلقًا على موقد حطب بدائي.
تستذكر والدة رنين المشهد المروع وهي تمسك بيد ابنتها المقيدة بالضمادات الطبية البدائية، قائلة لـ"نوى": "تحول المكان إلى دخان وصراخ، وكانت رنين مرعوبة من دوي الانفجار، وعندما هرعت لترتمي في أحضاني تعثرت بالموقد وسقطت بكامل جسدها داخل قدر الماء المغلي".
"انسلخ جلدها مع ملابسها في اللحظة ذاتها، وكان صراخها يمزق القلوب".
وتضيف: "انسلخ جلدها مع ملابسها في اللحظة ذاتها، وكان صراخها يمزق القلوب". اليوم تعيش الطفلة داخل خيمة خانقة الحرارة، بينما يتسلل الذباب والغبار إلى جروحها المفتوحة.
تكمل الأم: "كلما هممت بالتغيير على جرحها ترجوني باكية.. أمي، أرجوكِ دعيني أموت، لا تلمسي جروحي".
وتؤكد العائلة أنها لا تملك مراهم للحروق ولا مسكنات، وتضيف الأم: "كانت طفلتي تعشق الركض والدبكة، واليوم تشمعت عظام أقدامها وجلدها، وغدت عاجزة عن الوقوف.
أصيبت الرضيعة سيدرا محمود المدهون (عام ونصف) بحروق خطيرة من الدرجة الثالثة، جراء ذوبان سقف النايلون والبلاستيك واشتعاله ثم تهاوي أجزائه فوق رأسها وقدميها.
وفي مخيم الست أميرة بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أحال حريق اندلع في خيام النازحين، بسبب تطاير جمر مواقد الطهي بفعل الرياح القوية، خيمة عائلة المدهون إلى رماد.
في حينه، أصيبت الرضيعة سيدرا محمود المدهون (عام ونصف) بحروق خطيرة من الدرجة الثالثة، جراء ذوبان سقف النايلون والبلاستيك واشتعاله ثم تهاوي أجزائه فوق رأسها وقدميها الصغيرتين.
ترقد سيدرا اليوم بحروق وتشوهات، وترافقها والدتها التي أصيبت هي الأخرى بحروق خلال محاولتها إنقاذها.
يروي والدها محمود المدهون لـ"نوى": "جسدها الصغير تشوه بالكامل وتصلب فيه الجلد، والأطباء يؤكدون حاجتها الماسة لعمليات تجميل وزراعة جلد معقدة خارج غزة".
"نعيش الآن بلا مأوى ولا أغطية، وأقف عاجزًا وأنا أرى ابنتي تصارع الألم، دون مراهم تخفف عنها حرارة الحروق".
يريد الأب أن تُعالج ابنته، "قبل أن تخسر حركة أطرافها"، لكن حر الصيف يزيد آلام حروقها، وهو ما يجسده الوالد بقوله: "نعيش الآن بلا مأوى ولا أغطية، وأقف عاجزًا وأنا أرى ابنتي تصارع الألم، دون مراهم تخفف عنها حرارة الحروق".
تتكرر هذه المشاهد يوميًا في مخيمات النزوح الممتدة على طول القطاع، حيث يُحرم الأطفال المحروقون ليس فقط من حقهم في العلاج ورعاية الجروح في بيئة معقمة، بل حتى من أبسط المسكنات التي تخفف عنهم وطأة النار التي تطارد أجسادهم الغضة.
