أوجاعٌ صامتة.. نساء غزة في مطاحن القلق الخفي
تاريخ النشر : 2026-08-24 17:13
صورة تعبيرية لا علاقة لها بالحالات الواردة في التقرير

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"اشتهيتُ الموت لي ولها.. تمنيت أن أموت وأُدفن في قبرٍ واحد مع زوجي، لأرتاح من هذه الحياة التي لا طعم لها إلا المرار ولا لون فيها إلا لون الدم".. قالتها أماني مختصرةً وصف ما آلت إليه حياتها بعد الإبادة.

حياة -على حد تعبيرها- لم تترك لها حتى متسعًا للحزن، أو رفاهيةً للانهيار. الفتاة العشرينية التي كانت تحمل طفلتها في أحشائها حين كان زوجها يصارع سرطان الدم، وجدت نفسها بعد رحيله أمام حرب أخرى لا تقل قسوة..

اليوم تكتب له رسائل لا تصل، وتلاحقها ذكريات النزوحٍ معه حين كانت تدفعه على عربة وسط النار، ومشاهد الموت في سبيل الحصول على كيس طحين وسط المجاعة، بينما ينهشها العجز كلما اشتد عليه الجوع والمرض.

ترفض أماني حتى اليوم تقبّل فكرة رحيله، ومنذ أن وضعت طفلتهما، لم تعد تنام كما كانت؛ تارة تصرخ في وجه ابنتها الباكية، ثم تحتضنها وتشاركها البكاء، وتارةً تجلس وحيدةً لأيام.

ترفض أماني حتى اليوم تقبّل فكرة رحيله، ومنذ أن وضعت طفلتهما، لم تعد تنام كما كانت؛ تارة تصرخ في وجه ابنتها الباكية، ثم تحتضنها وتشاركها البكاء، وتارةً تجلس وحيدةً لأيام.. حين باتت تفضّل العزلة على مخالطة الناس.

تقول: "حتى عندما يظنون أنني نائمة، أكون قد فقدت الوعي من شدة الإنهاك. أشعر أن جسدي لم يعد يعرف معنى النوم"، وتقر بأن أفكار الموت باتت تراودها باستمرار، بعدما أصبح الموت في نظرها خلاصًا من حياة الخيام والجوع والنزوح.

ولا تبدو أماني حالة استثنائية في قطاع غزة، فالحرب الإسرائيلية لم تخلّف دمارًا ماديًا وخسائر بشرية فحسب، بل تركت خلفها أزمة نفسية متفاقمة، خاصة بين النساء اللواتي يحملن أعباء النزوح ورعاية الأسرة، بينما يواصلن العيش تحت وطأة غياب الأمان والتعرض المتكرر للصدمات.

ووفق منظمة الصحة العالمية، تعرضت خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي لاضطرابات شديدة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023م، فيما خرج المستشفى النفسي الوحيد الذي كان يضم أسرّة للتنويم عن الخدمة منذ نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، ما حرم المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية متخصصة من العلاج داخل القطاع طوال فترة الحرب.

حين يصبح الليل امتدادًا للخوف

تستيقظ سمر عليان (39 عامًا)، وهي أم لأربعة أطفال، قبل شروق الشمس، لكن عقلها لا يعرف النوم أصلًا. تحكي لـ"نوى" أنها تعيش فيما وصفته بـ"المطحنة"، مضيفة: "قلبي مقبوض طوال الوقت، وحتى لو غفوت قليلًا، توقظني كوابيس القصف. أحيانًا لا أستطيع التمييز بين الكابوس والواقع".

تبدأ الأم يومها عادة بالبحث عن الماء والطحين والحطب، فيما يعمل زوجها نادلًا في أحد المقاهي، لتكمل هي مهمة متابعة احتياجات أطفالها. لا تترك الحرب لها مساحة حتى للاهتمام بنفسها، وتقول: "كدت أنسى مظهري في المرآة. لم أعد أفكر إلا في أن أستحم بسرعة قبل أن يباغتنا القصف".

ومع حلول الليل، يعود الخوف بأشكال مختلفة.. تتخيل احتراق الخيمة بمن فيها، وتشيّع أبناءها في خيالها قبل أن تنام. يبقى الموت حاضرًا في أفكارها، وإن كانت تتجنب الحديث عنه.

مع حلول الليل، يعود الخوف بأشكال مختلفة.. تتخيل احتراق الخيمة، وتشيّع أبناءها في خيالها قبل أن تنام. يبقى الموت حاضرًا في أفكارها، وإن كانت تتجنب الحديث عنه.

وحين سُئلت عما إذا توجهت يومًا لطلب مساعدة تتعلق بصحتها النفسية، أجابت: "هاجمني زوجي عندما قلت إنني بحاجة لمصحّة نفسية وقال لي حرفيًا: لست مجنونة كي تفعلي ذلك، كل ما تعانينه هو ضغط نتيجة الحرب وسيزول مع الهدنة".

تختصر شعورها بالقول: "أنا أحدّق في قدر الطعام نصف ساعة قبل أن أنتبه ماذا علي أن أفعل، هذا موت أعيشه كل يوم، ومأساتي فعلًا أحيانًا تهون حين أسمع مآسي غيري".

حلم الأمان..

قبل الحرب، كانت إسراء إدريس (30 عامًا)، خريجة قسم اللغة الإنجليزية في الجامعة الإسلامية، تخطط لمستقبل مهني مختلف. كانت تنظر إلى العمل وتحقيق الذات بوصفهما جزءًا أساسيًا من حياتها، لكن الحرب أعادت ترتيب أولوياتها بالكامل، فلم تعد تبحث عن فرص أو خطط بعيدة، بل عن شعور بسيط بالأمان.

تخبرنا بأن أكثر ما تغير فيها هو تقديرها للتفاصيل التي كانت تبدو عادية في السابق؛ كتوفر المياه، والنوم في مكان آمن، والقدرة على التخطيط ليوم جديد.

مع الأيام الأولى للحرب، بدأت أعراض الإرهاق النفسي تظهر عليها مع أصوات القصف المتواصلة، وتدفق الأخبار العاجلة، والخوف من المجهول.

ومع الأيام الأولى للحرب، بدأت أعراض الإرهاق النفسي تظهر عليها مع أصوات القصف المتواصلة، وتدفق الأخبار العاجلة، والخوف من المجهول، قبل أن تصل إلى لحظة النزوح التي تصفها بأنها الأكثر قسوة.

تنقلت إسراء بين خان يونس ودير البلح والنصيرات، في رحلة نزوح طويلة جعلتها تشعر بأنها اقتُلعت من المكان الذي تنتمي إليه. ومع استمرار عدم الاستقرار، أصبح التفكير في المستقبل مرتبطًا دائمًا باحتمال الموت أو فقدان القدرة على العودة.

وفي محاولة للتخفيف من الضغط، كانت تمشي لساعات بمحاذاة البحر وهي تستمع إلى الموسيقى، لكن هذه المحاولات لم تتمكن من إزالة الخوف المتراكم! حتى النوم لم يعد مساحة للراحة، إذ تطاردها كوابيس متكررة عن بقائها تحت الأنقاض أو فقدان أحد أطرافها، فتستيقظ مذعورة مرات عدة خلال الليل، وتبدأ يومها وهي أكثر إرهاقًا وتوترًا.

تُنبّه إسراء إلى أنها لجأت لحضور بعض جلسات الدعم النفسي التي أقيمت للنساء في مخيمات النزوح وعرفت بها صدفة، لكنها لا تزال تواجه صعوبة في الوصول إلى جلسات فردية، لصعوبة التواصل وتدمير المراكز والطرق وعدم توفر المواصلات والاتصالات كذلك.

وتشير خريطة خدمات الصحة النفسية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية إلى محدودية الخدمات المتخصصة في القطاع، حيث بلغ عدد المرافق التي تقدم خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي 26 مرفقًا فقط، إلى جانب مرافق أخرى تقدم خدمات محدودة، وهو رقم لا يتناسب مع حجم الاحتياجات الناتجة عن الحرب والنزوح المتكرر.

حربٌ مستمرة داخل النفس

وتوضح الأخصائية النفسية الدكتورة مي أبو عيطة أن نساء قطاع غزة لم يعدن يواجهن أزمات نفسية مؤقتة، بل واقعًا شديد التعقيد نتيجة التعرض المستمر للصدمات طوال عامين وأكثر من الحرب.

وتقول: "نساء غزة لم يعشن موقفًا صادمًا واحدًا ثم بدأن رحلة التعافي، إنهن يعشن داخل دائرة متواصلة من التهديد والفقد والنزوح وانعدام الأمان، إلى جانب مسؤوليات يومية تفوق قدرتهن على الاحتمال".

وتشير إلى أن كثيرًا من النساء يواصلن أداء أدوارهن كأمهات ومقدمات للرعاية، لكن ذلك يأتي غالبًا على حساب صحتهن النفسية، في ظل استنزاف انفعالي شديد، وإرهاق مزمن، وشعور متكرر بالعجز وفقدان السيطرة، إضافة إلى حزن لم تتح لهن فرصة كافية لمعالجته.

"أدى استمرار الصدمات إلى ظهور اضطرابات نفسية أكثر تعقيدًا، من أبرزها اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق، واضطرابات التكيف".

وبحسب أبو عيطة، أدى استمرار الصدمات إلى ظهور اضطرابات نفسية أكثر تعقيدًا، من أبرزها اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق، واضطرابات التكيف، والحزن المعقد المرتبط بتجارب الفقد المتعددة.

وتوضح أن اضطراب ما بعد الصدمة يظهر لدى كثير من النساء من خلال استرجاع الذكريات المؤلمة والكوابيس والشعور الدائم بعدم الأمان، بينما يظهر الاكتئاب في صورة فقدان الطاقة واضطرابات النوم والشعور بالعجز واليأس، خصوصًا لدى من فقدن أشخاصًا مقربين أو منازلهن ومصادر استقرارهن.

كما تعاني نساء كثيرات، وفق الأخصائية، من خوف وقلق مستمرين على أبنائهن وأسرهن ومستقبلهن، إلى جانب أعراض جسدية مرتبطة بالتوتر، مثل ضيق التنفس وتسارع ضربات القلب.

"استمرار التعرض للصدمات في ظل غياب الأمان وفرص العلاج قد يؤدي إلى آثار طويلة الأمد، تشمل الاكتئاب المزمن، واضطرابات النوم، وصعوبات تنظيم الانفعالات، والإرهاق المستمر".

وتؤكد أن طبيعة الاحتياجات النفسية تغيرت مع استمرار الحرب، ففي البداية كان التركيز على الإسعاف النفسي الأولي والدعم النفسي الاجتماعي لمساعدة النساء على التعامل مع الصدمة المباشرة، لكن استمرار التعرض للضغوط جعل الحاجة أكبر إلى تدخلات متخصصة تساعدهن على التعامل مع اضطرابات ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق والحزن المرتبط بالفقد.

ولا تتوقف آثار المعاناة النفسية عند الجانب النفسي فقط، إذ تصل كثير من النساء إلى الجلسات وهن يعانين من الصداع والإرهاق واضطرابات النوم وآلام الجسم واضطرابات الجهاز الهضمي، إضافة إلى أعراض جسدية أخرى مرتبطة بالتوتر المستمر، ما يتطلب رعاية تجمع بين التقييم الطبي والدعم النفسي.

وتحذر أبو عيطة من أن استمرار التعرض للصدمات في ظل غياب الأمان وفرص العلاج قد يؤدي إلى آثار طويلة الأمد، تشمل الاكتئاب المزمن، واضطرابات النوم، وصعوبات تنظيم الانفعالات، والإرهاق المستمر، وتفاقم بعض المشكلات الصحية.

كما تشير إلى أن الوصول إلى خدمات الدعم النفسي لا يزال يمثل تحديًا أمام كثير من النساء بسبب الفقر، والنزوح المتكرر، وصعوبة التنقل، والظروف الأمنية، ونقص الكوادر المتخصصة، "فضلًا عن الوصمة الاجتماعية التي تدفع بعض النساء إلى إخفاء معاناتهن أو تأجيل طلب المساعدة" وفق تأكيدها.

وتشدد على أن احتياجات النساء لا تقتصر على توفير جلسات علاجية، بل تتطلب منظومة متكاملة تشمل بيئة أكثر أمانًا، واستمرارية خدمات الصحة النفسية، وتعزيز الدعم الاجتماعي، وإزالة العوائق الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية أمام العلاج، مؤكدة أن طلب الدعم النفسي ليس علامة ضعف، بل خطوة أساسية نحو التعافي.

منظومةٌ مدمرة.. واحتياجٌ يتسع

بدوره، يصف مدير مستشفى الطب النفسي في غزة الدكتور عبد الله الجمل، في تصريحات صحفية، واقع الخدمات النفسية بأنه "مأساوي"، موضحًا أن الحرب لم تصب السكان فقط، بل دمّرت المنظومة التي يفترض أن تساعدهم، إذ خرج المستشفى النفسي الوحيد عن الخدمة، وتضررت عيادات الصحة النفسية التابعة لوزارة الصحة، فيما تأثر العاملون أنفسهم بفقدان الأقارب والمنازل والنزوح.

ويشير إلى أن وزارة الصحة كانت تغطي قبل الحرب نحو 80% من خدمات الصحة النفسية في القطاع، لكن هذه التغطية تراجعت بشدة بعد تدمير المرافق ونقص الكوادر والأدوية.

"وزارة الصحة كانت تغطي قبل الحرب نحو 80% من خدمات الصحة النفسية في القطاع، لكن هذه التغطية تراجعت بشدة بعد تدمير المرافق ونقص الكوادر".

كما يوضح أن كثيرًا من السكان أجّلوا طلب الدعم النفسي خلال الحرب بسبب انشغالهم بتأمين الاحتياجات الأساسية، قبل أن تبدأ أعداد المتوجهين للخدمات بالارتفاع مع تحسن الظروف نسبيًا.

وبينما تواصل نساء غزة حمل أعباء أسرهن وسط القصف والنزوح والفقد، تتراكم داخلهن أوجاع لا تُرى.. هذه الأوجاع لا تحتاج إلى التظاهر بالقدرة على الاحتمال، بل تحتاج إلى أمان وعلاج نفسي مستمر يعيد إليهن ما سرقته الحرب من ملامح الحياة.