غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
تنظر شريهان عيد إلى الأقدام التي تتحرك في الملعب، تلاحق الكرة ذهابًا وإيابًا، فيما تستعد هي للانضمام إلى الفريق.
وبينما تراقب اللاعبات، تستحضر صورة ابنتها لانا، التي كانت تحلم بأن تصبح لاعبة كرة قدم، قبل أن تستشهد في غارة إسرائيلية استهدفت المدرسة التي نزحت إليها في منطقة البريج وسط قطاع غزة. اليوم، تحاول الأم أن تكمل حلم ابنتها، ولو بقدم واحدة.
بدأت الحكاية حين شاهدت شريهان إعلانًا أصدرته جمعية فلسطين لكرة قدم البتر، ضمن استعداداتها لتشكيل أول فريق كرة قدم نسائي من مبتورات الأطراف.
تقدمت بطلب للانضمام، وقُبلت، لتبدأ رحلة جديدة لم تكن تعرف كيف ستنتهي.. تتذكر ذلك بقولها: "لا يمكنني نسيان أول مرة نزلت بها للملعب. لم أكن أستطيع التوازن، وكنت أسقط، ووقتها حدثت نفسي: كيف سأركض بعكازتي هذه؟".
كانت لانا، بالنسبة إلى أمها، كطائر الفينيق الذي يحلق في السماء؛ حاضرة في كل تدريب، تحثها على الاستمرار في التدريبات التي ستؤهلها يومًا لتصبح لاعبة كرة قدم. ومع كل تمرين، كانت شريهان تشعر برابط روحي يصلها بابنتها، فتقول في داخلها: "ها أنا أفعلها من أجلك، لا من أجلي".
وبعد أشهر قليلة، بدأت شريهان تركل الكرة وتجري بثقة أكبر، حتى تمكنت من اللعب كما كانت تتمنى.
لم يعد الملعب مكانًا تختبر فيه قدرتها على التوازن فقط، بل صار مساحة تلتقي فيها بابنتها التي غابت عن عينيها، وبقي حلمها حاضرًا في كل خطوة.
لكن الطريق إلى ذلك الملعب بدأ من مكان أكثر قسوة، ففي أول أيام شهر رمضان عام 2024م، قصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي المنزل الذي كانت شريهان وعائلتها بداخله.
انتشلتها طواقم الإسعاف والدفاع المدني من تحت الركام، ولم تجد أمامها سوى مدرسة أبوهميسة، شمالي بلدة البريج، لتلجأ إليها، وهناك بدأت رحلة نزوح طويلة، بقيت خلالها نازحة داخل المدرسة نحو عامين، تحمل مرارة النزوح والفقد، وفي السادس من مايو/أيار 2025، تلقت المدرسة إنذارًا قبل استهدافها بالصواريخ الحربية بعشر دقائق.
تقول شريهان: "كعادته الاحتلال أخبر شخصًا ما أن هناك هدفًا سيتم ضربه، ولم يخبرنا فيما إذا كانت المدرسة أم المسجد الملاصق بها. اتفق الجميع أن مدرسة تأوي نازحين لا شأن للاحتلال بها، وطمأن بعضنا بعضًا بالعودة إلى خيامنا.. دخلت خيمتي برفقة بناتي الأربع، وما هي إلا ثوانٍ حتى نزل الصاروخ في منتصف المدرسة".
حاولت النهوض، لكن إحدى قدميها خانتها. اكتشفت أنها بُترت، وانهارت بالبكاء، قبل أن تصل طواقم الإنقاذ وتخبرها بنجاة فتاتين واستشهاد ابنتيها الأخريين.
لم تستيقظ شريهان إلا والدماء تحيط بها من كل جانب، ورائحة البارود تسد أنفاسها. نادت جنى فلم تجب، ونادت لانا، فلم يصلها صوتها.
حاولت النهوض، لكن إحدى قدميها خانتها. نظرت إليها، فاكتشفت أنها بُترت. انهارت بالبكاء، قبل أن تصل طواقم الإنقاذ وتخبرها بنجاة فتاتين واستشهاد ابنتيها الأخريين، ثم نقلتها إلى أقرب مركز طبي لتلقي الرعاية اللازمة.
بعد ذلك، لم يكن عليها أن تتعامل مع فقدان ساقها فقط، فقد خسرت ابنتيها، والمكان الذي كان يؤوي عائلتها، وحتى حاجياتها الشخصية التي جمعتها بعد قصف منزلها وتلف محتوياته.
تعقب: "رغم اليأس الذي كنت أشعر به، إلا أنه كان عليّ الوقوف على قدمي من جديد، وإلزام نفسي بالذهاب إلى جلسات الدعم النفسي والتهيئة، لأتمكن من التحرك بقدم واحدة وتربية طفلتيّ اللتين كانتا تنظران إليّ وكأني الأمل الأخير. وبالفعل أرى أنني نجحت في ذلك".

لا تزال شريهان تحمل ذكريات ابنتيها، ولا سيما لانا، التي كانت رغم صغر سنها متفوقة في كل ما تفعله. كانت تحصد الدرجات العليا، وأنهت الصف الثاني بثلاث شهادات تقدير، فيما كانت مدرستها تشيد بأدائها الرياضي وتمريرها للكرة، حتى حين تندمج في اللعب مع فتيات أكبر منها سنًا.
وخلال النزوح في المدرسة، كانت تجمع الفتيات، وتقدم لهن عرضًا سريعًا بالكرة، أو تدربهن على لعب مباراة.
اليوم، وبفضل لانا، تشعر شريهان بأنها أفضل، حيث كانت قبل انضمامها إلى الفريق، غير قادرة على الوقوف على قدم واحدة لساعتين متواصلتين، ولم تكن تتخيل أنها ستتمكن من الركض في الملعب، كأنها فراشة تحلق.
ينما تركض شريهان في الملعب بقدم واحدة، تبدو كل خطوة وكأنها تكمل بها جملة لم تستطع لانا أن تنهيها.. حلم لاعبة كرة قدم، تركته ابنة صغيرة خلفها، فحملته أمها ومضت به.
حتى حالتها النفسية تحسنت، بعدما وجدت بين قريناتها مساحة للدعم المتبادل، وأصبحت تشعر أنها تستعيد شيئًا من نفسها. ولم يبق أمامها سوى تركيب طرف صناعي، تقول إنه سيمنحها شعورًا بأنها امرأة طبيعية، لم تسرق الحرب منها طرفًا، ولا أخذت منها القدرة على مواصلة الطريق.
وبينما تركض شريهان في الملعب بقدم واحدة، تبدو كل خطوة وكأنها تكمل بها جملة لم تستطع لانا أن تنهيها.. حلم لاعبة كرة قدم، تركته ابنة صغيرة خلفها، فحملته أمها ومضت به.
