غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم يعد الهاتف المحمول في قطاع غزة مجرد وسيلة للتواصل، فمنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تسلّل الجهاز الصغير إلى تفاصيل الحياة اليومية حتى بات إنجاز العمل، ومتابعة الدراسة، والبحث عن فرص للمساعدة، وتلقي الأخبار والتحديثات، يمر عبر شاشته.
وفي مكان تتسارع فيه الأحداث، صار الهاتف أشبه بنافذة ضيقة على العالم، لكن حين تتعطل تلك النافذة، لا يفقد صاحبها وسيلة للاتصال فحسب، فقد يتعطل عمل، وتتأجل دراسة، وتضيع فرصة للحصول على مساعدة.
وفي واقع أنهكته الحرب، يصبح إصلاح الهاتف أو استبداله رفاهية لا يملك كثيرون ثمنها. هذا ما اختبره هاشم السعودي (37 عامًا)، حين تعطل هاتفه، ليكتشف أن جهازًا صغيرًا يمكن أن يربك مساحات واسعة من حياته. يقول إن حياته أصيبت بـ"الشلل"، بعدما فقد وسيلة كان يعتمد عليها في التواصل، ومتابعة عمله في الإعلام الرقمي، وحتى قضاء بعض أوقات فراغه.
في واقع أنهكته الحرب، يصبح إصلاح الهاتف أو استبداله رفاهية لا يملك كثيرون ثمنها.
يقول هاشم بحزن: "انقلبت حياتي رأسًا على عقب، من شخص يمضي أغلب وقته على الهاتف لشخص دون هاتف"، موضحًا أن الأمر لم يكن مجرد تبدل في عاداته اليومية، بل اضطر بسببه إلى التوقف عن العمل شهرًا كاملًا.
ولم يتوقف أثر العطل عند مصدر رزق، فقد خسر أيضًا أكثر من مساعدة غذائية بعدما لم تصله الرسائل الخاصة بها. كان يعتمد على هاتفه في متابعة المساعدات ومعرفة مواعيد استلامها، لكن تعطل الجهاز حرمه من طرود كانت تقدمها مؤسسات محلية ودولية.
اضطر بعدها إلى الاعتماد على هاتف زوجته لمتابعة عمله والتواصل وإنجاز شؤونه اليومية، ورغم أنها تمنحه مساحة واسعة لاستخدامه، يقول إنه يشعر بـ"الثقل" لأنه يستعمل جهازًا لا يملكه.
وفي النهاية، لم يعد هاشم يرى هاتفه المعطل مجرد جهاز فقد وظيفته، بل جزءًا من حياته اليومية، لذلك يصف وضعه في ظل فقدانه بأنه "نصف حياة".
وفي غزة، حيث انتقلت الجامعات إلى التعليم الإلكتروني بعد أن دمر الاحتلال الإسرائيلي جزءًا كبيرًا من مبانيها، صار الهاتف أيضًا أداة أساسية لاستمرار الدراسة.
في هذا الواقع، وجدت نور عساف نفسها تبحث عن هاتف آخر كلما أرادت حضور محاضرة، أو تقديم اختبار، أو التواصل مع أحد مدرسيها.
بدأت الحكاية في الثاني عشر من أيار/مايو 2026م، عندما احترقت شاشة هاتفها وتوقفت عن العمل تمامًا، لتبدأ معها رحلة يومية من استعارة الأجهزة وطباعة المواد الدراسية.
تدرس نور التمريض في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، وكانت تعتمد على هاتفها في متابعة تعليمها الإلكتروني. تقول: "تأثرت دراستي بشكل سلبي، وتوقفت عن متابعة كثير من الأمور، وأصبحتُ أدرس من هاتف أختي أو صديقتي".
ولم يكد هاتفها يتعطل حتى واجهت أول اختبار، فاضطرت إلى الذهاب لصديقتها واستخدام هاتفها حتى تتمكن من إنجازه.
منذ ذلك الحين، لم تعد المهام الدراسية البسيطة كما كانت. عندما تحتاج إلى إرسال واجب، أو الحصول على مادة تعليمية، أو التواصل مع أحد المدرسين، تتوجه إلى صديقتها لاستعمال هاتفها.
أما المواد الدراسية، فتطبعها وتراجعها على الورق، ثم تعود إلى هاتف صديقتها عندما يحين موعد اختبار أو مهمة تقدم عبر الإنترنت.
نور: "تساعدني صديقتي كثيرًا في تجاوز هذه الصعوبات، لكن الحل يبقى مؤقتًا، فكل مهمة إلكترونية تعني انتظار توفر هاتف آخر".
تقول نور: "تساعدني صديقتي كثيرًا في تجاوز هذه الصعوبات، لكن الحل يبقى مؤقتًا، فكل مهمة إلكترونية تعني انتظار توفر هاتف آخر".
وتوضح أن المشكلة لم تقتصر على دراستها، بل امتدت إلى التواصل والاتصال، فيما أصبحت طباعة المواد الدراسية عبئًا إضافيًا عليها.
حاولت نور إصلاح هاتفها، لكنها لم تجد شاشة تناسب نوعه، أما استبداله بهاتف جديد، فليس خيارًا سهلًا في ظل الغلاء الفاحش لأسعار الهواتف.
ومع ذلك، لا تزال تتخيل ما ستفعله إذا عاد هاتفها إلى العمل قريبًا: "سأعود إلى حضور محاضراتي عبر الإنترنت، والمذاكرة إلكترونيًا، والالتحاق بالدورات التدريبية التي تفيدني في تخصصي وتطور مهاراتي".
لا يعني الهاتف المعطل في غزة شاشة سوداء فحسب، قد يعني يومًا بلا عمل، ومحاضرة فائتة، واختبارًا مؤجلًا، ومساعدة غذائية لا تصل، ورسالة لا تُقرأ.
وفي غزة، لا تتوقف أزمة الهاتف عند لحظة تعطله، فإصلاحه أو استبداله يصبح هو الآخر معركة. منذ بدء الحرب، تفرض القيود على إدخال أجهزة الهواتف المحمولة وقطع غيارها إلى القطاع، ومع محدودية الأجهزة في الأسواق وندرة بعض القطع اللازمة للإصلاح، ارتفعت كلفة تجاوز العطل، بينما جعلت أسعار الهواتف الجديدة استبدال الجهاز خيارًا بعيد المنال.
إذن، لا يعني الهاتف المعطل في غزة شاشة سوداء فحسب، قد يعني يومًا بلا عمل، ومحاضرة فائتة، واختبارًا مؤجلًا، ومساعدة غذائية لا تصل، ورسالة لا تُقرأ.
جهاز صغير، لكنه يحمل في داخله تفاصيل حياة كاملة، وحين يصمت، يصمت معه جزء من تلك الحياة.
