غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لم تكن إسلام عطالله تخشى المرآة يومًا، لكن ذلك تغيّر في اليوم الذي وقفت فيه أمامها بعد أشهر طويلة من النزوح.
حدقت في انعكاسها، فإذا بحرب كاملة تسكن وجهها، تعبٌ ثقيل، وخوفٌ مستقر في العينين، وآثار شمس تركت ندوبها على بشرتها. "بكيت ولم أحتمل النظر طويلًا"، تقول.
إسلام (42 عامًا)، أم لخمسة أبناء، لم تفكر كثيرًا في غياب المرآة عن حياتها خلال النزوح.. كان الخوف والموت والتنقل ومسؤوليات الأطفال أكبر من أن يتركوا لها مساحة لتسأل عن وجهها.

صار العثور على مكان آمن، وماء، وطعام، وما يكفي أبناءها، أولى من كل شيء، ومع انكماش تفاصيل الحياة، انكمشت أيضًا الأشياء الصغيرة التي كانت تمنحها إحساسًا بأنها لا تزال المرأة نفسها.
في الشهور الأولى تحت وطأة الإبادة الإسرائيلية، لم تكن إسلام تبحث عن صورتها، بل عن النجاة، وحين لمحت نفسها مصادفة، اكتشفت مقدار ما فعلته الحرب بملامحها.
الوجه الذي عرفته سنوات طويلة غاب خلف التعب والخوف، وتغير لون بشرتها، وظهرت الندوب والشوائب بفعل التعرض الطويل لأشعة الشمس.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: "نحو (96%) من النساء النازحات اللواتي شملهن مسح في غزة قلن إنهن لم يتمكن من تلبية احتياجاتهن الأساسية المتعلقة بالنظافة الشخصية".
وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نحو (96%) من النساء النازحات اللواتي شملهن مسح في غزة قلن إنهن لم يتمكن من تلبية احتياجاتهن الأساسية المتعلقة بالنظافة الشخصية، لتصبح العناية بالنفس، في واقع كهذا، رفاهية مؤجلة إلى إشعار آخر.
بالنسبة لإسلام، كانت المرآة جزءًا من البيت، وجزءًا من حياة حاولت استعادتها حين عادت عائلتها إلى منزلها بعد الانسحاب البري في مايو/أيار 2024م. حاولت يومها أن تسترد بعض تفاصيل الحياة القديمة، وأن تتصالح مع واقع تبدل تحت وطأة الحرب.
لكن العودة لم تدم طويلًا، فعادت إلى النزوح من جديد، وعادت معها المرآة إلى هامش الأشياء المنسية.

تقول: "خارج منزلي الذي أصبح ركامًا، لا أفكر كثيرًا في النظر إلى وجهي، لأنني أعرف مسبقًا ما سأراه فيه"، وحين تقع عيناها صدفة على قطع المرآة المتناثرة في بيتها المدمر، ترى كل ما كان جميلًا ثم رحل، وتشعر أنها تعيش نكبة أخرى، بفصول لا تريد أن تنتهي، تركت آثارها على وجهها وحياتها.
آية فرحات (38 عامًا)، أم لأربعة أبناء، اختبرت المرآة بطريقة أخرى. رأت وجهها مصادفة في إحدى خيام جاراتها النازحات، فتوقفت أمام انعكاس لم تعرفه.
تقول: "كانت تلك ربما المرة الأولى منذ أشهر التي أنظر فيها إلى ملامحي". رفعت آية الحجاب عن رأسها، فرأت خطًا واضحًا يقسم وجهها بين جزء تعرض للشمس ولهيب مخيم النزوح، وآخر ظل مخفيًا تحته. كان الفارق، كما تقول، بسيطًا في الظاهر، لكنه حمل في داخلها أثرًا ثقيلًا.
قبل الحرب، كانت آية تعمل في مؤسسة، وكان زوجها يعمل في مصنع، وكانت تجد، رغم مسؤوليات البيت والعمل، وقتًا للاهتمام بنفسها.
قبل الحرب، كانت آية تذهب إلى صالون الشعر مرة كل شهر، أما اليوم، فيحمل وجهها آثار الشمس والتعب والحياة القاسية داخل الخيمة.
كانت تذهب إلى صالون الشعر مرة كل شهر، تصبغ شعرها، وتعتني بتفاصيل وجهها. لم تكن تعرف الندبات ولا حب الشباب ولا الكلف، أما اليوم، فيحمل وجهها آثار الشمس والتعب والحياة القاسية داخل الخيمة.
تصف آية نفسها اليوم بأنها "ربّة خيمة"، يبدأ نهارها بالغسيل، وصنع الطعام، والجلي، والتنظيف، وتجهيز الخبز، ثم تتوزع الساعات بين رعاية أطفالها وتدبير شؤون الأسرة، غالبًا أمام نار الحطب وتحت شمس لا ترحم.
لكن صابرين فوزي (32 عامًا)، اختارت أن تتمسك بالمرآة. تحمل واحدة صغيرة معها في كل نزوح، وتضعها بين أغراضها القليلة. هي لا تراها رفاهية، بل خيطًا تمسك به ذاتها.
تقول ضاحكة: "أنا صحيح بخيمة، وحياتي تغيرت، بس هذا مش معناه إني أترك حالي"، لذلك تحرص على وجود مشط، وكريم للوجه، وأحمر شفاه، أو أي تفصيل بسيط يجعلها تشعر أنها لا تزال تهتم بنفسها.
قد تستغرب نساء إصرارها على التزين وسط الحرب، لكنها لا ترى في ذلك تناقضًا: "الحرب أخذت منا كثير، بس أنا مش مستعدة أخليها تاخد مني شكلي كمان (..) لما أشوف حالي مرتبة، بحس إني لسه أنا، مش بس امرأة نازحة عايشة في خيمة".
وتوثق تقارير أممية متكررة معاناة النساء والفتيات النازحات في غزة من نقص الخصوصية والمياه ومستلزمات النظافة، وفي بيئة كهذه، لا يعود الوقوف أمام المرآة مجرد نظرة إلى الوجه، بل فعلًا يحتاج إلى وقت ومكان، وربما إلى قدرة على تذكّر أن للمرأة، وسط كل ما تفقده، حقًا في أن ترى نفسها وأن تتذكر، ولو للحظة، أن وجهها ليس سجلًا لهذه الحرب، بل ذاكرة امرأة تحاول النجاة واستعادة ما تبقى من حياتها.
