أُمٌ لم تلده وأختٌ تحمل اسم أمه.. حكاية المعتصم
تاريخ النشر : 2026-08-16 12:03
المعتصم بالله مسعود رفقة زوجة خاله وابنتها وئام

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في الرابعة فجرًا، لم يكن المعتصم بالله مسعود ابن الحادية عشرة، يعرف أنها ستكون آخر ليلة ينام فيها إلى جوار أفراد عائلته. كان داخل منزل أسرته في حي الفاخورة بجباليا شمالي قطاع غزة، حين احتمى تسعة عشر فردًا في غرفة واحدة ظنًا منهم أنها قد تكون أكثر أمانًا من بقية المنزل الذي كان يهتز تحت وطأة القصف.

لم يسمع المعتصم صوت الصاروخ حين وصل إليهم، كل ما يتذكره من تلك اللحظة أن باب الغرفة سقط فوقه، وأن العالم من حوله انطفأ دفعة واحدة. يقول مستعيدًا ما حدث في الثالث والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2024م: "لم أسمع صوت الصاروخ، لكنني كنت أعي أننا قُصفنا عندما وجدت باب الغرفة قد وقع عليّ أنا وعمتي".

كان يسمع أصواتًا تأتي من بين الركام، استغاثات زوجة عمه وابنتها ظلّت تتردد في المكان للحظات، ثم خفتت شيئًا فشيئًا، إلى أن حلّ الصمت.

بين العتمة والغبار، كان يسمع أصواتًا تأتي من بين الركام، استغاثات زوجة عمه وابنتها ظلّت تتردد في المكان للحظات، ثم خفتت شيئًا فشيئًا، إلى أن حلّ الصمت.

بعدها، لم يعد المعتصم يشعر بما حوله، وحين فتح عينيه، كان رجال الدفاع المدني قد وصلوا إليه، يزيحون الركام عن جسده الصغير، وفيما سحقت الخرسانة البيت من حوله، كان الباب الذي سقط فوقه قد ترك مساحة ضيقة حالت دون وصول ثقل الركام إليه، وكأنه تحوّل، في تلك اللحظة، من جزء من البيت إلى حاجز يفصل بين طفل وموته.

أخرجوه حيًا، لكنه لم يكن يبحث عن نفسه، كان يبحث عن عائلته. يقول: "أنقذوني من تحت الركام، وكل ما كنت أفكر فيه أن أعثر على وجه واحد من وجوه عائلتي، أو أسمع لهم صوتًا. كنت أرتجف من شدة الخوف وأراقب من حولي، لكنني لم أجد أيًا منهم".

من بين أفراد الأسرة التسعة عشر، لم ينجُ سوى المعتصم وعمته. في تلك الليلة، فقد الطفل والده ووالدته وإخوته الأربعة براء وفضل وأريج ومريم.

من بين أفراد الأسرة التسعة عشر، لم ينجُ سوى المعتصم وعمته. في تلك الليلة، فقد الطفل والده ووالدته وإخوته الأربعة براء وفضل وأريج ومريم، الذين تراوحت أعمارهم بين الثامنة والسابعة عشرة.

كان أكثر ما يوجعه غياب أمه، وتفاصيل صغيرة كانت قبل الحرب عادية إلى حد لا يجعل الطفل يفكر في احتمال فقدانها، ثم تحولت بعد القصف إلى ذاكرة يبحث عنها كلما اشتد عليه الحنين.

بعد نجاته، عاش المعتصم مع عمته، الناجية الأخرى من تلك المجزرة. تقاسما ما تبقى من البيت، وما هو أثقل منه: صدمة النجاة وثقل الغياب. كان عليه أن يتعلم، وهو في الحادية عشرة، كيف يعيش بعدما أصبح يتيمًا.

بعد فترة، عاد خاله سامي مسعود وزوجته أسماء الأخرس من جنوبي القطاع. وهناك، بدأت حياة المعتصم تأخذ مسارًا لم يكن أحد يتوقعه.

لم تنظر أسماء إلى الطفل باعتباره ابن شقيقة زوجها الراحلة فحسب، بل قررت أن تفتح له بيتها وقلبها، وأن تتولى رعايته، وأن يصبح بالنسبة إليها ابنًا كاملًا، لا طفلًا فقد عائلته.

كان القرار بالنسبة إلى أسماء أكبر من مجرد رعاية طفل، فقبل ذلك بسنوات، سمعت من الأطباء أن فرص حملها تكاد تكون مستحيلة بعد سنوات من الزواج، ولهذا، حين احتضنت المعتصم، لم تكن تعرف أن حياتها ستأخذ هي الأخرى منعطفًا جديدًا.

بعد أشهر من رعايتها له، جاءها الخبر الذي لم تكن تنتظره: كانت حاملًا! أنجبت طفلة، وأطلقت عليها اسم "وئام"، تخليدًا لذكرى أم المعتصم الشهيدة.

بعد أشهر من رعايتها له، جاءها الخبر الذي لم تكن تنتظره: كانت حاملًا! أنجبت طفلة، وأطلقت عليها اسم "وئام"، تخليدًا لذكرى أم المعتصم الشهيدة.

وهكذا، في الوقت الذي كان فيه طفل قد فقد أسرته كاملة، كانت أسرة أخرى تتشكل من حوله؛ بيتٌ دخل إليه المعتصم طفلًا فقد كل شيء، ثم خرج منه أخًا كبيرًا لطفلة تحمل اسم أمه.

لم تكن الطريق إلى هذه الحياة الجديدة سهلة، فبحسب أسماء، كان المعتصم في بدايات إقامته معها طفلًا منطويًا، ينسحب إلى حزنه، ويتجنب الحديث عن أفراد أسرته الراحلين، ولا يحب نظرات الشفقة التي تلاحقه أينما ذهب.

كان يرفض أن يُختصر في كلمة "يتيم"، وكأن الكلمة وحدها لا تصف ما فقده، بل تضعه في خانة لا يريد أن يبقى فيها. كان يحمل حزنه بصمت، ويحاول أن يعيش دون أن يسمح للآخرين بالنظر إليه باعتباره طفلًا منكسرًا، لكن شيئًا فشيئًا، ومع الوقت، بدأ الأمان الذي وجده في البيت الجديد يفعل ما لم تستطع الكلمات فعله: خرج من عزلته تدريجيًا، أصبح أكثر تفاعلًا مع من حوله، وبدأ يندمج في تفاصيل الحياة اليومية.

صار لديه مكان يعود إليه، وأخت صغيرة تكبر أمام عينيه، أما أسماء، فلا ترى ما حدث مجرد احتضان لطفل فقد أسرته. تقول عنه: "هو ابني الذي لم ألده".

صار لديه مكان يعود إليه، وأشخاص ينتظرونه، وأخت صغيرة تكبر أمام عينيه، أما أسماء، فلا ترى في ما حدث مجرد احتضان لطفل فقد أسرته. تقول عنه: "هو ابني الذي لم ألده".

أما المعتصم، الذي كان يبحث بعد نجاته عن وجه واحد من وجوه عائلته بين الركام، فأصبح لديه بيت آخر، وأب وأم يحتضنانه، وأخت صغيرة يمكن أن يلعب معها.

وتأتي حكاية المعتصم وسط مأساة أوسع يعيشها أطفال قطاع غزة، الذين وجدوا أنفسهم في الحرب أمام فقدٍ لا يليق بأعمارهم. وتشير تقديرات حديثة إلى أن آلاف الأطفال فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب، فيما تُقدّر أعداد الأطفال الذين فقدوا والديهم معًا بنحو 2700 طفل.