غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
بين حجارةٍ اقتُلعت من تحت الأنقاض، وأيدٍ صغيرة أنهكتها حرب الإبادة الإسرائيلية، تتشكّل في غزة لوحات فسيفساء لا تروي حكاية فن عريقٍ فحَسب، بل توثق أيضًا قدرة الأطفال على تحويل آثار الدمار إلى ذاكرة بصرية تحفظ التراث الفلسطيني، وتؤكد أن الإبداع يمكن أن يولد حتى من قلب الركام.
لم تجد الطفلة كنان رمضان (14 عامًا) وسيلة أفضل لمداواة آثار الحرب من الجلوس أمام قطع الحجارة الصغيرة، ترتبها بعناية وصبر، لتصنع منها لوحة فسيفساء تحمل ملامح تراثية.
بعد إصابتها خلال قصف إسرائيلي لمنزل عائلتها في منطقة مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، ومكوثها ستة أشهر عاجزة عن الحركة بسبب الكسور والشرائح المعدنية المزروعة في جسدها، وجدت في هذا الفن مساحة للتعافي النفسي واستعادة جزء من حياتها التي بددتها الحرب.

تحكي كنان كيف أنها لم تعد ترى في الحجارة مجرد بقايا دمار، بل صارت بالنسبة لها وسيلةً للتعبير عن الذات، ولقاء الصديقات، وفرصة لتعلم مهارة جديدة تساعدها على تجاوز ما عاشته من صدمات.
وتقول: "مكثت ستة أشهر بعد الإصابة، ولم أستطع التحرك بسبب البلاتين في جسدي. الآن يدي مشوهة، ورجلي بها جهاز طبي، لكنني أتعلم فن الفسيفساء وأحاول أن أصنع لوحات جميلة".

ولم تكن كنان وحدها التي وجدت في هذا الفن ملاذًا من آثار الحرب، إذ التحقت أيضًا الفتاة عناية أبو هدروس (15 عامًا) بمعمل الفسيفساء، أملًا في التخلص من الضغوط النفسية التي خلفتها حرب الإبادة، وتنمية مهاراتها الفنية، وفي الوقت نفسه المساهمة في الحفاظ على التراث.
تقول عناية لـ"نوى": "المشاركون يعملون على إنتاج لوحات جديدة، إلى جانب ترميم أعمال فنية لفنانين سابقين، رغم افتقارهم إلى كثير من الأدوات الأساسية، وعلى رأسها الألوان والمواد اللازمة لاستكمال اللوحات"، مشيرةً إلى أنهم يعتمدون على ما يتوفر من إمكانيات محدودة لإخراج الأعمال بأفضل صورة ممكنة، حتى وإن بقيت بعض اللوحات غير مكتملة بسبب النقص المستمر في المواد الخام.

تنخرط كنان وعناية مع أخريات في تعلم هذا الفن بمعمل الفسيفساء التابع لجمعية الثقافة والفكر الحر في مدينة خان يونس، التي أعادت إحياءه وتنشيطه بعدما توقف خلال الحرب.
ويقول القائمون عليه إنه يستهدف فئة الأطفال واليافعين، من أجل استنهاض طاقاتهم الإبداعية، واكتشاف مواهبهم، وتحويلها إلى أعمال فنية تنتمي إلى أحد أقدم الفنون التشكيلية وأكثرها قدرة على البقاء عبر العصور.
ولا يقتصر تميز التجربة على استئناف التدريب رغم ظروف الحرب، بل يتجلى أيضًا في طبيعة المواد المستخدمة؛ إذ يعتمد المشاركون على ما تبقى من إمكانيات نجت من القصف، بينما تشكل حجارة المنازل المدمرة والأنقاض الركن الأساسي في تنفيذ الأعمال الفنية، بعد استخراجها وإعادة تدويرها لتتحول من شاهد على الدمار إلى لوحات تنبض بالحياة.

ويقول المشرف على المعمل، الفنان التشكيلي محمد أبو لحية، لـ"نوى": "إن العمل يبدأ بتدريب الأطفال المستهدفين عبر دورات متخصصة ومكثفة في تقنيات فن الفسيفساء، الذي يحتاج إلى وقت طويل ودقة عالية في التنفيذ، ولا يمكن إتقانه خلال فترة قصيرة".
ولا يقتصر تدريب الأطفال على تعليم المهارات الفنية، بل يشمل أيضًا غرس قيم الصبر والتأني والالتزام بالتفاصيل الدقيقة، وهي عملية قد تمتد لأشهر حتى يتمكن المتدربون من إنجاز أعمال متقنة تعكس فهمهم لهذا الفن العريق، وفقًا لأبو لحية.
"الفسيفساء فن يجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ فهو من أقدم الفنون التي عرفها الإنسان، وفي الوقت ذاته لا يزال حاضرًا في الأعمال الفنية الحديثة".
ويشير إلى أن الموروث الثقافي الفلسطيني يشكل الأساس الذي يقوم عليه برنامج التدريب داخل المعمل، إذ يتم تعريف الأطفال بالمشاهد التراثية الفلسطينية، ولا سيما تلك التي تعود إلى ما قبل النكبة عام 1948م، لتكون مصدر إلهام للأعمال التي ينفذونها.
وتتنوع هذه المشاهد بين المرأة الفلسطينية، والفلاح، وأشجار الزيتون، والبحر، وغيرها من الرموز التي تعبر عن الهوية الفلسطينية.
ويوضح أبو لحية أن هذه المشاهد تُدرس أولًا وتُحلل مع الأطفال، قبل تدريبهم، وفق أساليب علمية صحيحة، على تنفيذها باستخدام تقنيات الفسيفساء.

ويرى أن الفسيفساء فن يجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ فهو من أقدم الفنون التي عرفها الإنسان، وفي الوقت ذاته لا يزال حاضرًا في الأعمال الفنية الحديثة، وخاصة الجداريات التي تمتاز بطابعها المستدام.
ويقول أبو لحية: "وهذا الفن مهما مر عليه من فترات وحقب زمنية، أو تعرض لعوامل التعرية، فإنه يحتفظ برونقه وجماله عبر الزمن"، وهو ما يمنحه قيمة فنية وثقافية كبيرة.
ورغم استمرار التدريب والإنتاج، يشير أبو لحية إلى أن العاملين في المعمل يواجهون تحديات كبيرة، أبرزها النقص الحاد في المواد الخام اللازمة لتنفيذ الأعمال الفنية، الأمر الذي دفعهم إلى ابتكار بدائل في مختلف مراحل العمل.
"هذا الفن مهما مر عليه من فترات وحقب زمنية، أو تعرض لعوامل التعرية، فإنه يحتفظ برونقه وجماله عبر الزمن".
ويوضح أن المختصين يستخدمون مواد بديلة في عمليات القص والتركيب والتثبيت، كما يعانون من فقدان مادة الوسيط الأساسية، وهي الإسمنت، التي أصبحت غير متوفرة، مما يشكل عائقًا إضافيًا أمام إنجاز الأعمال بالشكل المطلوب. ويلجأ الفريق إلى طحن الطوب وخلطه لاستخدامه بديلًا عن الإسمنت، بينما تُستخرج الحجارة من تحت ركام المباني المدمرة، وتُعاد تدويرها وتجهيزها قبل استخدامها في تنفيذ اللوحات وتثبيتها على الجدران. وهكذا، يجد الأطفال في الحجارة مادة للفن، وذاكرةً تستعيد ملامح المكان.
