غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
داخل بيتٍ مستأجر في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، تتقاسم فيه أربع عائلات ضيق المكان وأنفاس الخوف، تحاول هديل أبو شاويش، ابنة العشرين عامًا، أن تتمسك بما تبقى من حياتها القديمة: كتاب باللغة الفرنسية، ودفتر صغير، وحلم رافقها منذ الطفولة.
من هذا المكان المؤقت، وبين انقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت وواقع النزوح القاسي، حققت هديل إنجازًا لافتًا بحصولها على الجائزة الكبرى والمركز الأول في مسابقة أدبية باللغة الفرنسية نظمها المعهد الفرنسي في غزة بالشراكة مع منظمة التضامن الأكاديمي مع فلسطين، والمخصصة لطلبة وخريجي أقسام اللغة الفرنسية في غزة والقدس، بمن فيهم الطلبة الموجودون في فرنسا.
لم تكن تتوقع أن تصل كلماتها إلى منصات دولية، أو أن يُذكر اسمها في وسائل إعلام فرنسية مرموقة، بينما تكتب في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الاستقرار. لكنها فعلت، بعدما اختارت أن تروي حكاية غزة بالشعر، وأن تقدمها للعالم صوتًا يحمل إنسانية المكان بعيدًا عن الأرقام والعناوين العاجلة.
تقول هديل لـ"نوى": "أنا هديل أبو شاويش، ابنة العشرين عامًا، التي حملت حلم دراسة الأدب الفرنسي منذ طفولتها كبوصلة لمستقبلها، قبل أن يقرر العالم أن يخط فصول حياتنا بمداد من دم ورماد".
"أنا هديل أبو شاويش، ابنة العشرين التي حلمت بدراسة الأدب الفرنسي منذ طفولتها كبوصلة لمستقبلها، قبل أن يقرر العالم أن يخط فصول حياتنا بمداد من دم ورماد".
قبل الحرب، كانت هديل طالبة جامعية تدرس اللغة والأدب الفرنسي، وترى في تخصصها طريقًا نحو الأدب والترجمة والانفتاح على ثقافات أخرى، لكن الحرب غيّرت كل شيء. "لم يكن السابع من أكتوبر تاريخًا عابرًا، بل كان الزلزال الذي شطر حياتنا إلى زمنين: زمن كنت فيه هديل الطالبة الطموحة، وزمن صارت فيه هديل الناجية" تزيد.
توقفت الدراسة، وانقطعت الخدمات الأساسية، وفي الأول من نوفمبر فقدت منزلها الذي احتضن ذكرياتها وطفولتها. عن ذلك تقول: "لم أفقد جدران منزلي فحسب، بل فقدت مأمني الأخير وذاكرتي التي كانت تلملم تفاصيل طفولتي".
ثم جاءت خسارة أخرى أكثر قسوة، ففي السابع والعشرين من نوفمبر فقدت شقيقها، وهو الحدث الذي ترك أثرًا عميقًا في حياتها.
تخبرنا: "رحل أخي تاركًا في قلبي فراغًا لا تملؤه الكلمات، لكنني شعرت أن عليّ أن أكمل، وأن أجعل كل إنجاز أحققه ذكرى تليق به".
نزوح متكرر وحلم لا يغادر
تنقلت هديل وعائلتها بين أكثر من مكان، من محيط النصيرات إلى دير البلح ثم عادت إلى المخيم، قبل أن تستقر مؤقتًا في بيت مستأجر تتقاسمه أربع عائلات.
"لم يكن النزوح مجرد البحث عن مأوى، بل كان واقعًا يغيب فيه الحد الأدنى من الخصوصية والراحة والأمان".
وتكمل: "تجرعت مرارة النزوح بكل تفاصيلها. لم يكن النزوح مجرد البحث عن مأوى، بل كان واقعًا يغيب فيه الحد الأدنى من الخصوصية والراحة والأمان".
وسط هذه الظروف، أصبحت الكتابة بالنسبة إليها مساحة آمنة، وتحولت اللغة الفرنسية إلى وسيلة تخاطب من خلالها العالم وتنقل جانبًا من التجربة الإنسانية في غزة.
حين تحولت القصيدة إلى رسالة
عندما أُعلن عن المسابقة الأدبية، وجدت هديل فرصة لتقديم روايتها الخاصة عن غزة، وكانت المسابقة تتيح للمشاركين التعبير عن تجاربهم من خلال الشعر أو التقارير أو الأغاني. اختارت الشعر، ورأت أن الكلمة قادرة على نقل ما تعجز عنه الصور أحيانًا.
تتابع: "كان هدفي أن أوصل رسالة مختلفة؛ أن أقول إن في غزة شبابًا وبنات ما زالوا يكتبون ويبدعون ويحلمون، وإن الحرب لا تستطيع إطفاء الموهبة".

اعتمدت مشاركتها على فكرة رمزية قائمة على الصوت أكثر من الصورة، مركزة على الإنسان في غزة لا على مشاهد الدمار وحدها.
وتضيف: "كنت أريد أن أقول إن الإنسان في غزة ليس مجرد رقم في الأخبار، بل إنسان لديه حلم وقصة وحياة كاملة".
إعداد العمل لم يكن سهلًا، فالكهرباء كانت تنقطع لساعات طويلة، والإنترنت غير مستقر، وظروف النزوح لا توفر بيئة مناسبة للكتابة أو التسجيل، وتردف: "أصعب تحدٍ كان أن أحافظ على استقراري وأنا أكتب، لكنني كنت مؤمنة أن الاستسلام لن يغير الواقع، بينما المحاولة يمكن أن تصنع فرقًا".
الجائزة الكبرى
في يوم إعلان النتائج، عُقد مؤتمر بحضور أعضاء الهيئة التدريسية والجهة المنظمة للمسابقة، ومع عرض الأعمال الفائزة، ظهر اسم هديل ضمن الفائزين بالجائزة الكبرى والمركز الأول.
تقول: "في البداية لم أصدق. كانت لحظة فرح وامتنان لا يمكن أن أنساها. تذكرت كل الظروف التي مررت بها، وكل شخص شجعني وآمن بي".
وترى أن الفوز لم يكن إنجازًا شخصيًا فحسب، بل رسالة لكل طالب حاول التمسك بحلمه رغم الحرب.
ولم تتوقف المفاجأة عند إعلان الفوز، فبعد ذلك نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية (Le Monde)، إحدى أبرز وأعرق الصحف اليومية في فرنسا وأكثرها تأثيرًا وانتشارًا، تقريرًا تناول قصة هديل وفوزها.
حينها أدركت أن الكلمات التي كتبتها من قلب غزة وصلت إلى جمهور بعيد، تكمل: "عندما رأيت اسمي في الصحافة الفرنسية، شعرت بفرح شديد، لكن كان لدي خوف وشعور بالمسؤولية. أدركت أن صوتي وصل إلى مكان بعيد".
وتضيف: "شعرت أن صوت غزة وصل، وأن الكلمات التي خرجت من قلب هذه الأرض وجدت من يصغي إليها".
لا تنظر هديل إلى المركز الأول باعتباره نهاية الرحلة، بل بداية لمرحلة جديدة من طموحاتها الأكاديمية والمهنية.
وتقول: "أنا حالياً في مرحلة السعي والبحث عن الفرصة المناسبة لمجالي وطموحي، أعمل على تطوير ذاتي حتى أبدأ خطوة جديدة تحقق لي الاستقرار المهني والمادي".
كما تطمح إلى استكمال دراستها وتطوير مهاراتها في الأدب واللغة الفرنسية، والمشاركة في مشاريع ومسابقات دولية تستطيع من خلالها إيصال صوت فلسطين وغزة إلى العالم.
"آمنوا بأنفسكم وتمسكوا بالشيء الذي تحبونه، لأن النجاح لا يولد في ظروف مثالية، بل يبدأ عندما يرفض الإنسان الاستسلام".
أما رسالتها إلى شباب غزة وفتياتها فتختصر تجربتها كلها: "آمنوا بأنفسكم وتمسكوا بالشيء الذي تحبونه، لأن النجاح لا يولد في ظروف مثالية، بل يبدأ عندما يرفض الإنسان الاستسلام".
من بين النزوح وألم الفقد وانقطاع الكهرباء، كتبت هديل قصيدتها. لم تكن تملك ظروفًا مثالية، لكنها امتلكت فكرة وصوتًا وإيمانًا بأن الكلمة قادرة على الوصول، لذلك لم تكن جائزتها مجرد مركز أول في مسابقة أدبية، بل شهادة على أن الحلم يمكن أن يواصل طريقه حتى وسط الركام، وأن الصوت الذي يبدأ خافتًا من مكان محاصر قد يصل في النهاية، إلى عالم كامل يصغي إليه.
