قطاع غزة:
"أنا بدي أعطيه العين الثانية".. جملة لا يقولها الشاب محمد دبور مجازًا؛ بل يتحدث عن عينه التي ما زالت ترى، وكأنه مستعد لأن يتخلى عنها لشقيقه موسى، الذي فقد عينه في طريق الحصول على المساعدات.
كان ذلك في فترة المجاعة التي شهدها قطاع غزة، حين صار الحصول على الغذاء رحلة محفوفة بالخطر. وفي 22 أغسطس/آب 2025، أكدت تصنيفات الأمن الغذائي الدولية وقوع المجاعة في مدينة غزة، مع أكثر من نصف مليون شخص في القطاع واجهوا ظروفًا كارثية من الجوع والحرمان.
وفي تلك الفترة، اضطر كثير من الفلسطينيين إلى التوجه نحو "مراكز توزيع المساعدات"، التي وصفت بأنها "مصائد الموت"، بحثًا عن الغذاء لعائلاتهم، وكان أبناء عائلة دبور من بينهم؛ إذ كانوا يسعون إلى تأمين الطعام لعائلة مكونة من 13 شخصًا، ولذلك خرج محمد وشقيقاه موسى وحسين للحصول على المساعدات.
يقول موسى إنهم كانوا "يدًا واحدة"، يخرجون معًا ويقفون إلى جانب بعضهم في تفاصيل الحياة اليومية. وحتى يوم الإصابة، كان وشقيقاه محمد وحسين معًا، عندما حوصر حسين بنيران الاحتلال واستشهد في مكانه.
في التفاصيل، يضيف موسى: "رفعت رأسي لأرى ما يحدث لشقيقي حسين، وفي اللحظة التالية أصابت رصاصة وجهي، وانفجر العيار الناري في وجهي، فأصبت في عيني، كما أصيب أخي محمد أيضًا".
فقد موسى عينه، وكسرت الشظايا فكه وأنفه، وفقد حاسة الشم، ويصف حالته: "أشعر أن عيني أصبحت مفرغة، بينما بقيت الأخرى مغلقة تمامًا"، مشيرًا إلى وجهه الذي صار يحمل آثار تلك اللحظة، لكن الأثر الأثقل بالنسبة إليه هو ما حدث لحياته بعدها.
يحتاج موسى إلى علاج أخبره الأطباء أنه متاح، لكنه خارج قطاع غزة، وأما الوصول إليه فحكاية أخرى، حتى في تفاصيل حياته اليومية، أصبح يحتاج إلى شقيقه محمد، المصاب أيضًا.

يقول إنهما يخرجان معًا، وإن شقيقه يدخل معه إلى الحمام لمساعدته في أبسط احتياجاته، ففقدان العين لم يأخذ منه القدرة على الرؤية فقط، وإنما أخذ شيئًا من استقلاله أيضًا.
أما محمد، فكانت إصابته تترك أثرًا مختلفًا، يؤكد أن توازنه لم يعد مستقرًا، وأنه قد يسقط في أي لحظة، حتى المشي، الذي كان فعلًا عاديًا، أصبح بالنسبة إليه احتمالًا دائمًا للسقوط، لكن أكثر ما يؤلمه هو ما حدث لأخويه.
يتحدث قائلًا: "أنا أتحمل ذنبهما. كنت أنا من اصطحبتهما معي، طوال الوقت أشعر أنني مذنب، طوال الوقت ألوم نفسي. أعرف أن هذه ليست الحقيقة، لكن هذا جزء من الآثار التي ترتبت على الفقدان والألم الذي تكبدته نتيجة إصابة أخي موسى".
ولم يكن ذهاب الأشقاء الثلاثة إلى مراكز المساعدات بحثًا عن شيء زائد عن الحاجة؛ كانت عائلة من 13 شخصًا تنتظر ما يمكن أن يعودوا به إلى المنزل، حيث كان الطعام هو الغاية، لكن الرحلة انتهت بإصابات ستبقى معهما بعد أن يختفي الجوع من الذاكرة.
محمد نفسه لا يستطيع الرؤية طوال اليوم، يخبرنا أنه لم يعد يرى شيئًا مع بداية حلول الظلام عند غروب الشمس، ولا يستطيع فعل شيء بعدها، وبينما يحاول أن يتكيف مع ضعف الرؤية واختلال التوازن، يبقى تفكيره مع شقيقيه.
يرى الشاب شقيقه موسى بعينه المصابة، ويتذكر حسين، ويعود إلى الأمنية نفسها: "يا ليتنا لم نخرج في ذلك اليوم، يا ليتني أستطيع أن أعطي عيني المتبقية لأخي".
لا يملك محمد جوابًا يخفف عنه شعوره بالذنب، كما لا يملك موسى طريقًا سهلًا إلى العلاج الذي يحتاج إليه. فالأخوان اللذان كانا يخرجان معًا ويقضيان يومهما معًا، صارا الآن يساند أحدهما الآخر في أبسط تفاصيل الحياة.
موسى فقد عينه اليسرى، ومحمد يعيش مع رؤية تتغير مع ساعات اليوم وتوازن قد يخونه في أي لحظة، وبينهما، بقيت تلك الرحلة إلى المساعدات معلقة في الذاكرة؛ رحلة خرجا فيها بحثًا عن الطعام لعائلة تنتظرهما، وعادا منها بجسدين يحملان آثار الجوع والخوف والإصابة.
ووفق بيانات للمكتب الإعلامي الحكومي، بلغ مجمل عدد الشهداء الذين استُهدفوا أثناء انتظار المساعدات خلال عامين من الحرب 1506 شهداء، إضافة إلى 19 ألفًا و182 إصابة.
