غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"عمو، اليوم نسيت الحرب شوي".. قالها طفل لجمال أبو القمصان بعد انتهاء أحد عروض "سينما الشارع". جملة قصيرة، لكنها بقيت عالقة في رأسه؛ فذلك الطفل لم يكن يتحدث عن فيلم أعجبه، بقدر ما كان يخبره عن ساعة نادرة لم يكن فيها لحرب الإبادة الإسرائيلية مكان.
في قطاع غزة، حيث صار الأطفال يعرفون أصوات القصف أكثر مما يعرفون أصوات الأغاني، وحيث ضاقت أماكن النزوح بالخيام وأصحابها، تبحث "سينما الشارع" عن فسحة صغيرة للفرح؛ تحمل شاشة بيضاء ومعدات عرض بسيطة، وتذهب بها إلى تجمعات النازحين.

تُنصب الشاشة في العراء، وتُوصل الأسلاك بمصدر للكهرباء، ويجلس الأطفال على الأرض، ثم ينطفئ الضوء ويبدأ الفيلم.
للحظات، يتناسى الأهالي أصوات الزنانات الإسرائيلية في السماء والحديث عن النزوح، وتتجه عشرات العيون إلى عالم آخر. يضحك الأطفال، ويتابعون الشخصيات، ويتبادلون التعليقات، كأنهم استعادوا شيئًا من الأيام التي كانت فيها مشاهدة فيلم أمرًا عاديًا لا يحتاج إلى كل هذا الترتيب.
أبو القمصان، وهو مخرج فلسطيني يعيش الحرب والنزوح مثل بقية أهل غزة، يقول لـ"نوى": "أنا لست شخصًا جاء ليقدم نشاطًا ثم يعود إلى حياته الطبيعية، بل واحد من الناس الذين يعيشون الحرب والنزوح مثلهم. عندما أقف أمام الأطفال والعائلات لا أشعر أنني أقدم لهم خدمة، بل أشعر أننا نحاول معًا أن نتمسك بما تبقى من إنسانيتنا".
من هنا بدأت حكاية "سينما الشارع"، إذ لم تكن الفكرة أن يُعرض فيلم للأطفال وحسب، وإنما أن تُستعاد، ولو لساعات، تفاصيل صغيرة غيّرتها الحرب: أن يجتمع الناس في مكان واحد، وأن ينتظر الأطفال بداية العرض، وأن تضحك العائلات معًا، وأن يذهب الطفل إلى مكان ما دون أن يكون القصف هو سبب ذهابه.

يتحدث أبو القمصان: "نحن لا ننصب شاشة فقط، بل نحاول استعادة لحظة من الحياة التي سُرقت منا. الأطفال ينتظرون بداية العرض، والعائلات تجلس معًا، والناس يلتقون بعيدًا عن أخبار القصف. السينما هنا أصبحت وسيلة لإحياء الشعور بالمجتمع".
ولعل أكثر ما يكشف حاجة الأطفال إلى هذه اللحظات سؤال آخر سمعه الرجل بعد أحد العروض: "متى ستعودون؟". فلم يكن الطفل يسأل عن موعد فيلم جديد فقط، بل كان يريد أن يعرف متى سيعود أولئك الذين منحوه، ولو لفترة قصيرة، شيئًا يشبه الحياة.
وبالنسبة إلى أبو القمصان، كان السؤال دليلًا على أن الأطفال لا يحتاجون إلى العرض نفسه بقدر حاجتهم إلى أن يشعروا بأن هناك من يتذكرهم ويعود إليهم. ومع ذلك، لم تغب عنه الأسئلة الصعبة: "هل يمكن للسينما أن تكون أولوية في مكان يفتقد أهله الطعام والماء والدواء؟"
يجيب بأن الإنسان هنا لا يحتاج فقط إلى الطعام ليعيش، بل يحتاج أيضًا إلى الكرامة والأمل والقدرة على الابتسام، مضيفًا: "نحن لا نقدم السينما بدل المساعدات الإنسانية، بل إلى جانبها، لأن الدعم النفسي جزء من حماية الإنسان".
لكن الوصول إلى الأطفال ليس سهلًا، ينسق الفريق مع لجان المخيمات لاختيار الأماكن، وينقل معدات العرض، ويؤمن الكهرباء والصوت والشاشة. وفي أحيان كثيرة، يتغير مكان العرض أو يُلغى في اللحظات الأخيرة بسبب القصف أو الظروف الأمنية.

حتى اختيار الأفلام صار جزءًا من هذه المهمة؛ فبحسب أبو القمصان، يبحث الفريق عن أعمال تمنح الأطفال مساحة للخيال، وتحمل معاني عن التعاون والشجاعة والأمل. فالهدف ليس أن يضحكوا فقط، وإنما أن يجدوا أمامهم عالمًا أوسع من الخيمة والركام والخوف.
يحلم أبو القمصان بأن تستمر "سينما الشارع" بعد انتهاء الحرب، وأن تصل إلى الأطفال خلال سنوات التعافي وإعادة البناء، قائلًا: "فإذا هدمت المباني، لا يجوز أن تُهدم أحلام الأطفال. وربما لهذا تستحق تلك الشاشة الصغيرة أن تُضاء كل مرة".
وبحسب شهادات الأهالي، يعرفون تمامًا أن السينما في القطاع لا توقف صاروخًا، ولا تعيد بيتًا، ولا تمحو ذاكرة الحرب، لكنها على الأقل تمنح أطفالهم ساعة لا يكونون فيها خائفين، وتجمع عائلة حول قصة لا تتحدث عن الموت، وتترك في ذاكرة الصغار صورة لشيء ظل ممكنًا رغم كل ما حدث.

