خارطة الطريق.. منَ يرسمُ ملامح اليوم التالي بغزة؟
تاريخ النشر : 2026-08-04 15:46

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

في غزة، لا تبدأ المعارك دائمًا بإطلاق النار، ولا تنتهي بإعلان وقف إطلاقه، فكل هدنة تحمل في طياتها معركة أخرى، أكثر تعقيدًا وأبعد أثرًا.. معركة تدور حول من يحكم القطاع؟ ومن يحتفظ بالسلاح؟ ومن يرسم ملامح اليوم التالي للحرب؟

وبينما كان الفلسطينيون يترقبون أن تفتح المبادرات السياسية نافذة للخروج من الكارثة، جاءت "خارطة الطريق" التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في 31 يوليو/تموز 2026م، لتكشف أن الطريق إلى السلام لا يزال محفوفًا بعقدٍ يصعب تجاوزها.

تنص الخطة على وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي تدريجي من قطاع غزة، وتفكيك سلاح حركة حماس، وإنشاء لجنة وطنية لإدارة القطاع، تمهيدًا لإعادة الإعمار.

وتنص الخطة على وقف دائم لإطلاق النار، وانسحاب إسرائيلي تدريجي من قطاع غزة، وتفكيك سلاح حركة حماس، وإنشاء لجنة وطنية لإدارة القطاع، تمهيدًا لإطلاق عملية إعادة الإعمار.

غير أن الإعلان لم يكد يمر حتى اصطدم بخلافات حادة حول آليات التنفيذ، وفي مقدمتها مصير السلاح وترتيب خطوات الاتفاق، فيما صعّد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عملياته العسكرية، ما أدى إلى استشهاد 28 فلسطينيًا خلال الأيام الثلاثة الأولى من إعلان الخطة.

ويرى المحلل السياسي د.طلال أبو ركبة أن هذا التصعيد لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية الداخلية لنتنياهو، الذي لا يبدو راضيًا عن استكمال الاتفاق بصيغته الحالية، بعدما أخفق، بحسب تقديره، في تحقيق ما يسميه "النصر الحاسم" في غزة أو لبنان أو إيران.

يبدو تنفيذ الاتفاق مرشحًا لمزيد من التعثر، مع احتمال حدوث انفراجات إنسانية وأمنية محدودة بفعل الضغوط الدولية، دون  اختراق سياسي حقيقي قبل الانتخابات الإسرائيلية.

ويعتقد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يخشى أن يؤدي الانسحاب من القطاع دون هذا الإنجاز إلى خسارة دعم اليمين، الأمر الذي قد يهدد مستقبله السياسي.

وتتفق المحللة السياسية د.ريهام عودة مع هذا الطرح، عادةً أن نتنياهو يرفض أي صيغة تقتصر على حصر سلاح حركة حماس أو تخزينه، لأن القبول بها سيمنح خصومه، وفي مقدمتهم غادي آيزنكوف، فرصة اتهامه بالإخفاق في تحقيق أهداف الحرب، وهو ما قد ينعكس مباشرة على مستقبله السياسي.

وبحسب أبو ركبة، فإن العقدة الحقيقية لا تكمن في بنود الاتفاق بقدر ما تكمن في ترتيب تنفيذها، "فحركة حماس تتمسك بانسحاب القوات الإسرائيلية أولًا قبل فتح ملف السلاح، بينما تصر إسرائيل على نزعه أو تدميره قبل أي انسحاب".

وبين هذين الموقفين، يبدو تنفيذ الاتفاق مرشحًا لمزيد من التعثر، مع احتمال حدوث انفراجات إنسانية وأمنية محدودة بفعل الضغوط الدولية، من دون أن يفضي ذلك إلى اختراق سياسي حقيقي قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.

"أي تحسن في الواقع الإنساني سيظل مرهونًا بانتشار لجنة إدارة غزة والقوات الدولية في مختلف أنحاء القطاع، وتوليها إدارة المعابر بصورة فعلية".

وتذهب د.ريهام عودة إلى النتيجة ذاتها، إذ ترى أن الخلاف على ترتيب تنفيذ الالتزامات قد يتحول إلى العقبة الأكبر أمام الاتفاق، فبينما تصر حماس على تأجيل مناقشة ملف السلاح إلى ما بعد الانسحاب الإسرائيلي، تواصل "إسرائيل" التمسك بتدميره باعتباره أولوية مطلقة، وهو ما يرجح استمرار التصعيد ويقلص فرص نجاح الاتفاق.

وتضيف: "أي تحسن في الواقع الإنساني سيظل مرهونًا بانتشار لجنة إدارة غزة والقوات الدولية في مختلف أنحاء القطاع، وتوليها إدارة المعابر بصورة فعلية".

وإذا كان التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار يبدو مهمة معقدة، فإن إعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني تبدو أكثر صعوبة. فبحسب أبو ركبة، تتداخل في هذا الملف عوامل داخلية وخارجية تجعل الوصول إلى توافق مهمة شاقة، بدءًا من استمرار الانقسام الفلسطيني، وغياب رؤية وطنية موحدة لمستقبل النظام السياسي والانتخابات، وصولًا إلى التباينات مع إسرائيل والولايات المتحدة بشأن شكل الإدارة المقبلة للقطاع.

""إسرائيل" لا ترغب في عودة غزة إلى النظام السياسي الفلسطيني بصيغته الحالية، بل تدفع نحو إدارة تكنوقراط بإشراف دولي".

ويشير إلى أن "إسرائيل" لا ترغب في عودة غزة إلى النظام السياسي الفلسطيني بصيغته الحالية، بل تدفع نحو إدارة تكنوقراط بإشراف دولي، فيما تربط واشنطن أي ترتيبات سياسية بإعادة تشكيل المشهد الفلسطيني بطريقة تقلص دور حركة حماس.

وتتفق د. ريهام عودة مع هذا التقدير، مؤكدة أن استمرار الانقسام يجعل إعادة توحيد النظام السياسي أكثر تعقيدًا، في ظل اختلاف الأولويات بين الضفة الغربية وقطاع غزة.

ففي الضفة تتصدر مواجهة الحصار المالي والأزمة الاقتصادية جدول الأولويات، بينما تنشغل غزة بإدارة أزمة إنسانية وأمنية متفاقمة عبر لجنة إدارية تحول دون انهيار الأوضاع.

ورغم اختلاف طبيعة التحديات، يبقى الاحتلال العامل المشترك الذي يفرض نفسه على المشهدين؛ عبر اعتداءات المستوطنين في الضفة، والقصف الإسرائيلي المتواصل في غزة.

وتخلص عودة إلى أن هذه المعطيات لا توفر حتى الآن بيئة سياسية تسمح بإعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني أو إطلاق عملية ديمقراطية شاملة تمهد لإقامة الدولة الفلسطينية.

ولا تبدو ملفات إعادة الإعمار، وتحسين الواقع الإنساني، وترتيبات الحكم، أقل تشابكًا من الملفات السياسية والأمنية. فبحسب أبو ركبة، يصعب التعامل معها باعتبارها قضايا منفصلة، لأن مستقبل كل منها يرتبط مباشرة بشكل الإدارة التي ستتولى حكم القطاع بعد الحرب، وبالترتيبات السياسية التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة.

"الحرب لم تكتفِ بتغيير المشهد الميداني، بل أعادت أيضًا رسم موازين القوى داخل الساحة الفلسطينية، بعدما تراجعت ثقة قطاعات واسعة بالأحزاب التقليدية".

لكن هذه الإدارة لا تنفصل عن سؤال أكثر إلحاحًا: هل يمكن فصل إعادة الإعمار عن شكل الحكم القادم؟ يجيب أبو ركبة بالنفي، مؤكدًا أن إعادة الإعمار، وتحسين الواقع الإنساني، وترتيبات الحكم، تشكل منظومة واحدة، إذ أن طبيعة الجهة التي ستتولى إدارة القطاع ستحدد مسار هذه الملفات جميعًا.

ويرى أن الحرب لم تكتفِ بتغيير المشهد الميداني، بل أعادت أيضًا رسم موازين القوى داخل الساحة الفلسطينية، بعدما تراجعت ثقة قطاعات واسعة بالأحزاب التقليدية، في مقابل صعود قوى جديدة، أبرزها تيار الإصلاح الديمقراطي الذي عزز حضوره عبر العمل الإنساني.

وتتفق د. ريهام عودة مع ترابط هذه الملفات، لكنها ترى أن إعادة الإعمار لا تزال محطة مؤجلة، لا يمكن بلوغها قبل وقف الحرب، وفتح المعابر، وضمان تدفق مواد البناء. فالدول المانحة، بحسب تقديرها، لن تضخ أموالها في مشاريع مهددة بالتدمير مجددًا، كما أن نجاح ترتيبات الحكم المقبلة يبقى مرهونًا بقدرة لجنة إدارة غزة على ممارسة صلاحياتها كاملة، مدنيًا وأمنيًا، بعيدًا عن أي هيمنة فصائلية، لأن أي إدارة شكلية ستفقد ثقة السكان والمانحين معًا، وتبقي القطاع عالقًا في أزمته الإنسانية دون أفق حقيقي لإعادة الإعمار.

"الأشهر الماضية أعادت تشكيل الخريطة السياسية، حيث تراجعت شعبية الأحزاب التقليدية بفعل عجزها عن إدارة الأزمة الإنسانية، فيما برز تيار الإصلاح الديمقراطي لاعبًا أكثر حضورًا".

وفي موازاة ذلك، لا يبدو المشهد السياسي الفلسطيني بمنأى عن التحولات التي فرضتها الحرب.

ويعتقد أبو ركبة أن الأشهر الماضية أعادت تشكيل الخريطة السياسية، لا سيما في غزة، حيث تراجعت شعبية الأحزاب التقليدية بفعل عجزها عن إدارة الأزمة الإنسانية، فيما برز تيار الإصلاح الديمقراطي لاعبًا أكثر حضورًا من خلال نشاطه الإغاثي، وسعيه إلى بناء تحالفات سياسية قد تمنحه مساحة أوسع في أي استحقاق انتخابي مقبل.

غير أن د. ريهام عودة تبدو أكثر تحفظًا في قراءة هذه التحولات، إذ ترى أن موازين القوى الفلسطينية لم تشهد تغيرًا جذريًا حتى الآن، وأن الدور الذي لعبه تيار الإصلاح الديمقراطي خلال الحرب بقي في إطاره الإنساني بالدرجة الأولى، بينما جاء حضور محمد دحلان عبر الوساطات والاتصالات بين حركة حماس ومجلس السلام.

يبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقًا بمستقبل الانتخابات، في ظل دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى إجراء انتخابات تشريعية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

وبرأيها، قد يسهم هذا الدور في تعزيز حضوره الشعبي ويفتح أمامه فرصًا سياسية مستقبلية، لكنه لا يعني بالضرورة حدوث تحول فوري في موازين القوى، خصوصًا أن تحركاته انصبت على الدفع نحو إنجاز الاتفاق وتحميل إسرائيل مسؤولية تعطيله.

ويبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقًا بمستقبل الانتخابات، في ظل دعوة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى إجراء انتخابات تشريعية في نوفمبر/تشرين الثاني 2026.

ويرى أبو ركبة أن الانتخابات تمثل المدخل الطبيعي لاستعادة شرعية النظام السياسي الفلسطيني، إلا أن طريقها لا يزال مليئًا بالعقبات، بدءًا من واقع غزة والقدس، مرورًا بغياب التوافق الوطني، وانتهاءً باستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي. لذلك يرجح أن يكون السيناريو الأقرب هو تأجيلها مؤقتًا، إلى حين تهيئة البيئة السياسية والأمنية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وتوفير ضمانات دولية تكفل إجراء الانتخابات في القدس، مع إمكانية تنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة بعد استكمال متطلبات المرحلة.

أما د. ريهام عودة، فترى أن السيناريو الأكثر واقعية يبدأ بدخول لجنة إدارة غزة إلى المنطقة الصفراء بدعم دولي، لتخضع لفترة اختبار قد تتوسع تدريجيًا إلى بقية مناطق القطاع، سواء عبر تعاون حركة حماس وتسليمها الملفات الحكومية والأمنية، أو مع اتساع المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية ونشر قوات دولية إضافية.

وفيما يتعلق بالانتخابات، لا تستبعد عودة إجرائها في قطاع غزة بمشاركة حركة حماس عبر قوائم مشتركة مع شخصيات مستقلة، لكنها تؤكد أن عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع ستظل مؤجلة إلى ما بعد انتهاء المرحلة الانتقالية وانسحاب الجيش الإسرائيلي.

أما في الضفة الغربية، فستبقى السلطة الفلسطينية الطرف الرئيس في إدارة المشهد، مع احتمال إجراء الانتخابات إذا ما توفرت الظروف الملائمة، إلى أن تنضج فرصة إعادة توحيد النظام السياسي الفلسطيني.

وفي المحصلة، لا تبدو "خارطة الطريق" مجرد مبادرة لوقف إطلاق النار، بقدر ما تمثل اختبارًا لمستقبل غزة السياسي كله، فبين خلافات السلاح، وتعقيدات الحكم، وحسابات الانتخابات، وإعادة الإعمار، تتقاطع المصالح الفلسطينية والإسرائيلية والدولية في لحظة شديدة الهشاشة، وبينما ينتظر الغزيون نهاية الحرب، تنتقل المعركة الحقيقية من الميدان إلى طاولة السياسة؛ حيث لا يدور الصراع حول من يوقف الحرب فقط، بل حول من سيرسم شكل اليوم التالي لغزة؟