غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
لا تبدأ أولى حصص القيادة في غزة اليوم بتعلّم تغيير السرعات أو قراءة إشارات المرور، بل بدرسٍ آخر أكثر قسوة: كيف تقود سيارة وسط مدينةٍ تحوّلت طرقها إلى ركام، واختفت أرصفتها، وامتلأت شوارعها بالخيام والمارة وعربات المياه؟
في مقعد السائق، يجلس محمد المدهون ممسكًا بالمقود، فيما يردد مدربه بهدوء: "اكشف الطريق، وسِر بحذر".
تمتد أمامه طريقٌ نصفها إسفلت، ونصفها الآخر أنقاض، فتتجه عيناه إلى الأطفال الذين يعبرون الشارع في كل لحظة، بينما تبقى قدمه معلقة فوق دواسة الفرامل، خشية أن تتحول أي غفلة إلى حادث.
يمسح الشاب الثلاثيني قطرات العرق عن جبينه، ويقول: "أحمل رخصة قيادة خاصة منذ ما قبل حرب الإبادة، لكن طبيعة عملي تتطلب الحصول على رخصة قيادة تجارية، لعلها تمنحني فرصة أفضل لإعالة عائلتي، رغم كل ما نعيشه في قطاع غزة".
"كنت أتدرب في شوارع سليمة، وإشارات مرور واضحة، أما اليوم، فالتدريب يقتصر على شارعين لم يدمرا بالكامل، وسط مخاطر ومشتتات لا تنتهي".
بعد أشهر طويلة من التوقف، عادت مدارس تعليم القيادة إلى العمل تدريجيًا، رغم الدمار الإسرائيلي الذي طال مقارها ومركبات التدريب والبنية التحتية التي كانت تعتمد عليها، لكنها لم تعد كما كانت؛ فالحرب لم تغيّر الطرق فقط، بل غيّرت مفهوم التدريب نفسه.
يستعيد المدهون ذكرياته قبل الحرب، ويقول: "كنت أتدرب في شوارع سليمة، وإشارات مرور واضحة، وكان الفحص العملي أسهل بكثير، أما اليوم، فالتدريب يقتصر على شارعين لم يدمرا بالكامل، وسط مخاطر ومشتتات لا تنتهي، ما يتطلب تركيزًا مضاعفًا".
ولا تقف التحديات عند حدود الطريق، فتكلفة التدريب ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة، في وقت تقلص فيه عدد الحصص التدريبية.
ويضيف: "أسعار الوقود والزيوت والإطارات وقطع الغيار ارتفعت بشكل كبير، بينما يمنع الاحتلال إدخال كثير منها، فانعكست هذه الأعباء على مدارس القيادة والمتدربين معًا. تعلّم القيادة اليوم محفوف بالمخاطر، لكننا نحاول التأقلم مع الواقع المفروض".
خيمة بدل المدرسة.. والركام جزء من المنهاج
داخل خيمة نُصبت بديلًا عن مبنى مدرسة القدس لتعليم القيادة، يقف المدرب خالد حمودة أمام سبورة صغيرة، يرسم عليها مسار طريق، ويشرح لطلابه كيفية تجاوز العقبات التي لم تكن يومًا جزءًا من المناهج.
يقول حمودة: "استئناف العمل كان تحديًا حقيقيًا. اضطررنا إلى تغيير أساليب التدريب بالكامل، فلم يعد التركيز منصبًا على الإشارات المرورية والانعطافات بقدر ما أصبح على كيفية السيطرة على المركبة والتعامل الآمن مع الطرق المدمرة".
كان قطاع غزة يضم نحو 80 مدرسة، تعرض معظمها لدمار كلي أو جزئي، فيما لم تتمكن سوى 35 مدرسة من استئناف العمل، رغم شح المركبات وصعوبة الحركة.
قبل الحرب، كان قطاع غزة يضم نحو 80 مدرسة لتعليم القيادة، تعرض معظمها لدمار كلي أو جزئي، فيما لم تتمكن سوى 35 مدرسة من استئناف العمل، رغم شح المركبات وصعوبة الحركة.
ويتابع المدرب، الذي أمضى عشرة أعوام في تدريب السائقين، قائلًا: "في السابق كان المشاة يسيرون على الأرصفة، وكانت الطرق منظمة، أما اليوم، فقد امتلأت الشوارع بالخيام وعربات المياه والمارة، لذلك أصبحنا نخصص جزءًا كبيرًا من التدريب لتعليم المتدربين كيفية التعامل مع هذه المشتتات والمخاطر اليومية".
ومن أكثر التحديات التي تواجه المتدربين، عربات الجر والمقطورات المحلية المعروفة باسم "العجّالة"، التي تتحرك بصورة غير منتظمة.
ويشرح حمودة: "نطلب من المتدرب ترك مسافة أمان أكبر بينها وبين المركبة، لأنها قد تنحرف أو تتوقف فجأة، ما يزيد احتمالات وقوع الحوادث".
كما تقلصت مساحات التدريب بصورة كبيرة، فبعد أن كانت معظم شوارع غزة متاحة لتعليم القيادة، ومنها شارع حيدر عبد الشافي وشارع الشهداء وشارع النصر، بات التدريب يقتصر على أجزاء من شارع عمر المختار ومحيط منطقة السامر، باعتبارهما من أكثر المناطق ملاءمة.
ويضيف: "لم نعد نحمّل المركبات أوزانًا إضافية كما في السابق، حفاظًا عليها، لأن الطرق المتضررة تزيد الضغط على المركبات وترفع احتمالات تعرضها للأعطال".
تشغيل القطاع من الصفر
إعادة تشغيل مدارس القيادة لم تكن مهمة سهلة، بل جاءت بعد جهود مشتركة بين جمعية أصحاب مدارس تعليم السياقة ووزارة النقل والمواصلات، إلى جانب أصحاب المدارس أنفسهم.
ويقول صائب الزعيم، أمين سر جمعية أصحاب مدارس تعليم القيادة في قطاع غزة: "عملنا على استئجار مقرات بديلة، وترميم ما يمكن ترميمه، واستصلاح المركبات، بهدف إعادة تشغيل القطاع تدريجيًا، رغم ضعف الإمكانات وشح الموارد المالية".
ويضيف: "بالتعاون مع وزارة النقل والمواصلات والبلديات والشرطة، جرى العمل على تهيئة بيئة مناسبة لتدريب السائقين وإجراء الفحوصات العملية، بما يضمن اكتساب المتدربين المهارات المطلوبة رغم حجم الدمار".
أزمة الوقود، ومنع إدخال الزيوت وقطع الغيار، أدت إلى خروج عدد من مركبات التدريب عن الخدمة، ما فاقم من صعوبة استمرار المدارس في العمل.
ومنذ استئناف العمل، تجاوز عدد المتدربين 300 متدرب، إلا أن الإقبال لا يزال منخفضًا، إذ لا يتجاوز نحو 10% مما كان عليه قبل الحرب، في وقت ارتفعت فيه تكاليف التشغيل إلى أكثر من عشرة أضعاف.
وانعكس ذلك مباشرة على رسوم الحصول على رخصة القيادة، إذ ارتفعت من نحو ألف شيكل قبل الحرب (قرابة 300 دولار)، إلى نحو ثلاثة آلاف شيكل حاليًا (نحو ألف دولار)، وهو مبلغ يفوق قدرة كثير من المواطنين في ظل الانهيار الاقتصادي الذي خلفته الحرب.
ويشير الزعيم إلى أن أزمة الوقود، ومنع إدخال الزيوت وقطع الغيار، أدت إلى خروج عدد من مركبات التدريب عن الخدمة، ما فاقم من صعوبة استمرار المدارس في العمل.
السائقون يواجهون صعوبات في تجديد رخص القيادة الدولية، بسبب انقطاع الخدمات البريدية بين قطاع غزة والضفة، الأمر الذي يتطلب تنسيقًا وربطًا إداريًا بين الجهات المختصة.
ولا تنتهي العقبات عند حدود التدريب، إذ يوضح أن السائقين يواجهون أيضًا صعوبات في تجديد رخص القيادة الدولية، بسبب انقطاع الخدمات البريدية بين قطاع غزة والضفة الغربية، الأمر الذي يتطلب تنسيقًا وربطًا إداريًا بين الجهات المختصة لتسهيل هذه الإجراءات.
وبين طريقٍ فقد إشاراته، ومدرسةٍ تحولت إلى خيمة، وسيارةٍ تتفادى الركام أكثر مما تتبع قواعد المرور، يتعلم الغزيون القيادة من جديد، غير أن الدرس الأول لم يعد كيف يقودون المركبة، بل كيف يشقون طريقهم في مدينةٍ أعادت الحرب رسم شوارعها، وغيّرت حتى أبسط تفاصيل الحياة فيها.
