درعان على مدرّعة "النمر".. أبٌ وطفلٌ مريض "توحد"!
تاريخ النشر : 2026-07-29 10:05

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"ثمانية أشهر كاملة لم أعرف فيها معنى النوم" يقول الخمسيني رفيق ياسين بحرقة، بينما ينظر إلى طفله عبد الكريم (13 عامًا)، المصاب باضطراب طيف التوحّد.

يبتلع الرجل ريقه ويحاول السيطرة على ارتجافة كفّيه قبل أن يكمل: "كلما أغمضتُ عيني، عادت إليّ مشاهد القتل والدهس والقنص. منذ أن استخدمنا الجيش الإسرائيلي درعًا بشريًا، لم تغادرني تلك الصور.. ما زالت تطاردني في يقظتي ومنامي".

يستذكر ياسين -من حي الزيتون شرقي مدينة غزة- تفاصيل اعتقاله، ويفتح بابًا على ذاكرة ما زالت تنزف. في الثامن عشر من ديسمبر/كانون الأول 2023م، فُرض حصار على حي الزيتون استمر ثلاثة أيام، عاش خلالها السكان بلا ماء أو طعام، فيما كانت نيران القناصة تلاحق كل من حاول الحركة.

يضيف: "حاولت الوصول إلى منزلي لإحضار بعض الاحتياجات لعائلتي النازحة غربي مدينة غزة، لكن القناص الإسرائيلي منعني. كنا محاصرين، ولم يكن أمامنا سوى انتظار المجهول".

وخلال تلك الأيام، يقول إنه شاهد مشاهد لا تغادر ذاكرته؛ منازل تهدمت فوق ساكنيها، وأصوات استغاثة خرجت من تحت الركام دون أن يستطيع أحد الوصول إليها، بينما كان الموت يحاصر كل محاولة للحياة.

في نهاية ديسمبر/كانون الأول 2023م، اعتقل الجيش الإسرائيلي رفيق من منزله برفقة ابنه عبد الكريم، "وكان أول ما فعله بنا الجنود بعد الاعتقال مباشرة، استخدامنا درعين بشريين على متن ناقلات "النمر" العسكرية لمدة سبعة أيام متواصلة.

يقول: "كانت أصعب أيام حياتي، رأيت منازل تُهدم فوق أصحابها وهم ما زالوا داخلها، وشبانًا يحاولون الخروج من بيوتهم المحاصرة، لكن القناصة كانوا يطلقون النار عليهم فور ظهورهم، فيسقطون أمام أعيننا دون أن يتمكن أحد من إسعافهم".

ولم تكن صور القصف وحدها ما يطارده. "رأيتُ الدبابات تدهس المدنيين، كان كبار السن يسيرون بصورة طبيعية، ثم تأتي الدبابات فجأة فتدهسهم، وتتحول أجسادهم إلى أشلاء. هذا المشهد يعود إليّ كل ليلة، وكأنه يحدث من جديد".

ويضيف: "الجنود، بحسب روايته، لم يفرقوا بين طفل وامرأة أو مسن ومريض، "كان الجميع يُعاملون بالعنف ذاته، دون أي اعتبار للعمر أو للحالة الصحية".

ومن أكثر المشاهد رسوخًا في ذاكرته، رؤيته امرأة وأطفالها يُجبرون على الخروج تحت إطلاق النار، قبل أن تُطلق الكلاب البوليسية باتجاههم، في مشهد يقول إنه ما زال عاجزًا عن محوه من ذاكرته.

لكن الألم الأكبر، كما يقول رفيق، لم يكن ما تعرض له شخصيًا، بل ما أصاب ابنه عبد الكريم. "قبل الحرب، كان الطفل يرتاد مدرسة متخصصة بأطفال التوحد، ويتلقى جلسات علاج وتأهيل ساعدته على تطوير مهاراته والتفاعل مع محيطه".

الجنود كانوا يعتدون عليه كلما أظهر سلوكًا مرتبطًا باضطرابه: "تعرض للضرب بأعقاب البنادق، وكانت فوهاتها تُوجَّه إلى وجهه بصورة متكررة".

ويردف: "عبد الكريم لديه سلوكيات خاصة بسبب التوحد، وكان يحتاج إلى من يفهم حالته، لكن الجنود لم يأخذوا ذلك بعين الاعتبار".

ويؤكد أن الجنود كانوا يعتدون عليه كلما صرخ أو أظهر سلوكًا مرتبطًا باضطرابه: "تعرض ابني للضرب بأعقاب البنادق على بطنه ورجليه، وكانت البنادق تُوجَّه إلى وجهه بصورة متكررة".

لقد تبدلت ملامح الطفل بصورة مؤلمة -حسب كلام والده- "فيكفي أن يرى صحفيًا يحمل كاميرا حتى يرتعب، لأنه يظن أن الكاميرا بندقية. لم يعد يتحدث كما كان، وأصبح صوته مرتفعًا وكلامه غير مفهوم، وتغيرت سلوكياته بصورة كبيرة".

وأُفرج عن عبد الكريم بعد خمسة أيام، بعدما تمكن والده من شرح حالته الصحية والتوسل لإطلاق سراحه، فيما بقي رفيق محتجزًا، دون أن يعرف إلى أين ذهب ابنه أو مع من غادر.

سديه تيمان.. الإفراج لا ينهي الاعتقال

بعد انتهاء الأيام السبعة التي استُخدم خلالها درعًا بشريًا، نُقل رفيق إلى معتقل "سديه تيمان"، حيث بقي محتجزًا 37 يومًا قبل الإفراج عنه مطلع فبراير/شباط 2024.

ويتابع: "التحقيق داخل المعتقل تخلله، بحسب شهادته، تعذيب جسدي ونفسي متواصل، مردفًا: "تعرضتُ للصعق بالكهرباء، وأُجبرتُ على النوم فوق أرض خشنة، وكانت الموسيقى الصاخبة تُشغَّل لساعات طويلة حتى يتضرر سمعي، كما أجبرني الجنود على الجلوس على ركبتي أربع ساعات متواصلة، وتعرضت للضرب المبرح حتى أصبت بنزيف في المعدة".

لكن الخروج من المعتقل لم يكن نهاية المعانا: "ثمانية أشهر كاملة لم أستطع النوم إلا بواسطة المنومات. كنت أستيقظ كل ليلة على المشاهد نفسها؛ المنازل التي هُدمت فوق أصحابها، والشبان الذين قُنصوا، والأبرياء الذين دهستهم الدبابات".

طفل بلا مدرسة.. ووعود بلا أثر

لا يزال عبد الكريم يعيش آثار تلك التجربة؛ فقد توقفت جلسات علاجه وتأهيله، وحُرم من العودة إلى مدرسة متخصصة بعد تدمير المراكز التعليمية التي كانت تقدم خدماتها للأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد.

"مؤسسات عدة وعدت بتقديم المساعدة، لكن شيئًا لم يتغير، وما زلنا ننتظر إعادة الخدمات التي يحتاجها أطفال التوحد".

ويقول رفيق: "مؤسسات عدة، بينها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وعدت بتقديم المساعدة، "لكن شيئًا لم يتغير، وما زلنا ننتظر إعادة الخدمات التي يحتاجها أطفال التوحد".

وفي نهاية حديثه، لا يطلب رفيق أكثر من حق يبدو بسيطًا، لكنه بات بعيد المنال.

"أريد أن أنسى ما عشته خلال الاعتقال، وأن أعود إلى حياتي الطبيعية دون كوابيس، وأن يتمكن ابني عبد الكريم من العودة إلى مدرسة متخصصة توفر له التعليم والعلاج والتأهيل النفسي والاجتماعي كما كان قبل حرب الإبادة".