غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
في غرفة متواضعة بمدينة غزة، يجلس السبعيني أبو محمد أبو حشيش ممسكًا بمصحفه. يقرأ بضع آيات، ثم يتوقف، ليس لأنه أنهى ورده، بل لأن عينيه لم تعودا تحتملان الاستمرار.
يقول لـ"نوى": "قبل الحرب كنت أملك أكثر من نظارة، واحدة للقراءة وأخرى للاستخدام اليومي، لكنني فقدتهما خلال النزوح المتكرر، ولم يتبق لي سوى نظارة لا تساعدني على القراءة".

وقد تحولت أزمة النظارات الطبية في قطاع غزة إلى معاناة يعيشها آلاف المرضى مع استمرار إغلاق المعابر وانقطاع توريد العدسات والإطارات منذ أشهر.
وأصبح الحصول على نظارة مطابقة لقياس النظر شبه مستحيل، ما أجبر كثيرين على استخدام عدسات غير مناسبة، أو الاستغناء عنها كليًا، لتتراجع قدرتهم على القراءة والعمل والدراسة وممارسة أبسط تفاصيل الحياة.
يضيف أبو حشيش: "كنت أقرأ القرآن لساعات دون تعب، أما اليوم فأشعر بإجهاد شديد بعد دقائق (..) حاولت الحصول على نظارة جديدة، لكن العدسات المناسبة لقياس نظري غير متوفرة".
حصل أبو محمد عبر إحدى الجمعيات على نظارة بقياس قريب من احتياجه، لكنها لم تُنهِ معاناته، إذ ما يزال يعاني من تشوش الرؤية وإجهاد العينين.
حصل أبو محمد عبر إحدى الجمعيات على نظارة بقياس قريب من احتياجه، لكنها لم تُنهِ معاناته، إذ ما يزال يعاني من تشوش الرؤية وإجهاد العينين كلما حاول القراءة.
ولم يكن فقدان النظارة بالنسبة إلى صفاء مهدي (22 عامًا) مجرد خسارة لمقتنى شخصي، بل توقفًا لمسارها التعليمي.
فقدت نظارتها الخاصة بالقراءة، التي تشبه التلسكوب المصغر وتعتمد عليها بالكامل، خلال اجتياح خان يونس مطلع عام 2024.
تقول: "طرقت أبواب معظم محلات النظارات، لكن الرد كان واحدًا: العدسات التي تحتاجينها غير موجودة".
ومنذ ذلك الوقت، باتت متابعة المحاضرات أو القراءة عبر الهاتف والحاسوب شبه مستحيلة، ما اضطرها إلى تعليق دراستها. وتضيف: "لم أتخيل أن قطعة صغيرة من الزجاج يمكن أن توقف مستقبلي".
أما الخمسينية سمية حلس، المقيمة في أحد مراكز الإيواء غرب مدينة غزة، فقد ذهبت لإجراء فحص نظر بعدما بدأت تشعر بتراجع واضح في الرؤية. وبعد انتهاء الفحص، فوجئت بأن العدسات المناسبة لقياسها غير متوفرة.
تقول: "خرجت أحمل ورقة الفحص فقط. كنت أظن أنني سأعود بنظارة، لكنني خرجت أكثر قلقًا". ورغم عرض عدسات بقياس قريب "يمشي الحال"، فضلت الرفض خشية الصداع وتشوش الرؤية، وما تزال تتنقل بين محلات البصريات على أمل العثور على العدسات التي تحتاجها.
ويؤكد اختصاصي البصريات جميل رامز حمدية أن القطاع يواجه أزمة غير مسبوقة نتيجة توقف دخول العدسات والإطارات منذ بداية الحرب، موضحًا أن المراكز تعتمد اليوم على ما تبقى من مخزون قديم، بينما لم تدخل سوى كميات محدودة جدًا لا تلبي حجم الاحتياج.
ويقول: "العدسات اللاصقة تكاد تكون مفقودة بالكامل، وما دخل منها بكميات قليلة تعرض جزء كبير منه للتلف بعد بقائه أيامًا على المعابر، فضلًا عن الحاجة إلى محاليل وقطرات غير متوفرة للحفاظ عليها".
ولمواجهة الأزمة، لجأت مراكز البصريات إلى تبادل العدسات المتوفرة فيما بينها أو تحويل المرضى إلى مراكز أخرى قد تمتلك المقاسات المطلوبة.
ويضيف: "أصبحنا نعمل كأننا مركز واحد، لأن الجميع يعاني المشكلة نفسها".
تمتد الأزمة إلى العدسات الخاصة بالحالات المعقدة، مثل العدسات متعددة الطبقات والمقاومة للانعكاس، إضافة لوسائل المساعدة البصرية الخاصة بمرضى ضعف البصر الشديد.
لكن الأزمة لا تقتصر على العدسات العادية، بل تمتد إلى العدسات الخاصة بالحالات المعقدة، مثل العدسات متعددة الطبقات والمقاومة للانعكاس، إضافة إلى وسائل المساعدة البصرية المخصصة لمرضى ضعف البصر الشديد، والتي انقطعت تقريبًا بالكامل.
ويشير حمدية إلى أن بعض المرضى يوافقون على استخدام عدسات قريبة من قياسهم بعد شرح محدودية فائدتها، بينما يرفض آخرون خوفًا من الصداع وعدم وضوح الرؤية، فيغادرون من دون نظارات.
كما انعكس النقص على تكاليف الخدمة؛ ففحص النظر الذي كان يُقدَّم برسوم رمزية أصبح أكثر كلفة نتيجة ارتفاع إيجارات المحلات، وأسعار الكهرباء، وصعوبة صيانة الأجهزة، وارتفاع أسعار المستلزمات المتبقية في السوق.
استخدام نظارات غير مطابقة للقياس لا يزيد ضعف النظر عادة، لكنه يسبب صداعًا وإجهادًا وتشوشًا في الرؤية، ويحد من قدرة المرضى على القراءة والتركيز.
ويحذر من أن استخدام نظارات غير مطابقة للقياس لا يزيد ضعف النظر عادة، لكنه يسبب صداعًا وإجهادًا وتشوشًا في الرؤية، ويحد من قدرة المرضى على القراءة والتركيز والعمل.
وبينما يجد كبار السن صعوبةً في قراءة وصفات الأدوية، وقراءة أذكارهم اليومية، يواجه الطلبة تحديات مضاعفة في متابعة تعليمهم، خصوصًا مع الاعتماد الواسع على التعليم الإلكتروني، فالنظارة الطبية بالنسبة لمرضى ضعف البصر بغزة ليست مجرد وسيلة لتحسين الرؤية، بل مفتاح التعلم والعمل والعبادة والحياة اليومية بشكلٍ عام.
