نحل "يطّا" يكسر حصار الأرض بعسلٍ لا تصادره الحواجز!
تاريخ النشر : 2026-07-21 13:57

الضفة الغربية/ شبكة نوى- فلسطينيات:

"الشيح.. القوص.. أم السليمانية.. المرار.. الخُمّرة". لا يسرد عدي نواجعة أسماء نباتات برية فحسب، بل يقرأ خريطة أرضه عن ظهر قلب.

يعرف أين تنبت كل عشبة، ومتى تزهر، وما الرحيق الذي تمنحه للنحل، وما النكهة التي تضيفها إلى العسل، ففي سهول "سوسيا" بمسافر يطا، جنوبي الخليل، لا تُقاس قيمة الأرض بما تحمله من تراب فقط، بل بما تمنحه أزهارها لخلايا النحل التي باتت إحدى آخر وسائل البقاء فوقها.

يعرف الفلسطيني أرضه كما يعرف ملامح وجهه. يحفظ أسماء نباتاتها، وروائحها، وفوائدها، ويعرف طعم العسل الذي تصنعه مواسمها، لكن النحل وحده يمتلك قدرة لا يملكها أصحاب الأرض أنفسهم، فهو يعبر الجدران والأسلاك والبوابات العسكرية، ويتجاوز حدود المستوطنات ليجمع الرحيق من الأشجار، ثم يعود إلى خلاياه حاملًا عسلًا لا تستطيع الحواجز مصادرته.

قبل سنوات، كانت عائلة نواجعة تعتمد على تربية الأغنام، شأنها شأن معظم أهالي مسافر يطا، غير أن تضييق الاحتلال والمستوطنين على المراعي، وسرقة المواشي وقتلها، ومصادرة مساحات الرعي، دفعت العائلة للبحث عن مصدر رزق لا يمكن حصاره بسهولة، وفي عام 2011م بدأت رحلة جديدة مع تربية النحل.

يقول نواجعة لـ"نوى": "لم تعد هناك مراعي. سيطر الاحتلال على معظمها، وأصبحت تربية الأغنام مكلفة ومحفوفة بالمخاطر"، مضيفًا: "فكرنا في بديل يستطيع البقاء معنا فوق الأرض فوجدناه في النحل. النحل لا يعترف بالحدود، ويطير إلى حيث توجد الأزهار، حتى لو كانت داخل المستوطنات، ثم يعود بالرحيق إلى خلاياه".

ويكمل: "المشروع لم يعد مجرد نشاط زراعي، بل مصدر دخل يحول دون تهجير العائلات، فغياب الرزق يعني، بالنسبة لسكان المنطقة، خسارة القدرة على البقاء فوق أرضهم".

تحولت خلايا النحل خلال سنوات قليلة إلى ركيزة اقتصادية لعشرات العائلات في سوسيا، كما أصبح العسل الذي تنتجه المنطقة معروفًا بجودته العالية وقيمته العلاجية، نتيجة تغذي النحل على مزيج غني من الأعشاب والنباتات الطبية البرية.

وحصل عسل سوسيا على شهادة "نخب أول" من وزارة الزراعة بعد اجتياز الفحوصات المخبرية، كما يتميز بإمكانية حفظه لسنوات دون أن يفقد خصائصه، الأمر الذي جعله مطلوبًا لدى زوار أجانب وتجار يبحثون عن العسل الطبيعي عالي الجودة".

وللنحل أيضًا قدرة غير متوقعة على حماية نفسه؛ فالمستوطنون يترددون في الاقتراب من الخلايا مباشرة، خشية لسعاتها، مقارنة بما يفعلونه مع المواشي، إلا أن ذلك لم يمنعهم من استهداف المناحل بوسائل أخرى، من بينها التسميم والحرق.

يستعيد جهاد نواجعة، والد عدي، واحدة من أكثر الضربات إيلامًا: "في عام 2016م سمّم المستوطنون خلايا النحل، ورشوا الأراضي المحيطة بالمبيدات، فنفقت مئة خلية كانت ممتلئة بالعسل، وخسرنا ما يقارب مئة ألف شيكل. الأمر نفسه تكرر مع مواشينا التي نفقت بعد رعيها في أراضٍ رُشت بالمواد السامة".

ولا تبدو هذه الحادثة استثناءً، فقد وثّقت وزارة الزراعة الفلسطينية، في تقريرها السنوي لعام 2025م، تصاعد الاعتداءات على قطاع تربية النحل في الضفة الغربية، من تدمير الخلايا وسرقة معدات التربية، بما تسبب بخسائر مباشرة قُدرت بنحو 154 ألف دولار، إلى جانب أضرار بيئية تتمثل في تراجع عمليات التلقيح الطبيعية للمحاصيل الزراعية.

ويرى جهاد نواجعة أن استهداف مصادر الرزق جزء من سياسة أوسع لدفع السكان إلى الرحيل عن سوسيا، التي تصنفها سلطات الاحتلال ضمن مخططات استيطانية مستقبلية.

ويقول: "يريدون أن نغادر، لكننا باقون.. هذه أرض آبائنا وأجدادنا، ولن نكرر مآسي التهجير التي عاشها شعبنا، وكل ما نريده أن نعيش فوق أرضنا بكرامة".

من جانبه، يوضح رئيس جمعية مربي النحل التعاونية، ناصر جرادات، أن فلسطين تمتلك واحدةً من أكثر البيئات تنوعًا في المنطقة، "فعلى مسافة أقل من خمسين كيلومترًا تنتقل من الأغوار الواقعة تحت مستوى سطح البحر إلى القمم الجبلية، مرورًا بثلاثة أقاليم مناخية مختلفة، وهو ما ينعكس في تنوع نباتي واسع منح العسل الفلسطيني سمعته التاريخية بوصفه (عسل الألف زهرة)".

ويشير جرادات إلى أن هذا التنوع يجعل العسل الفلسطيني غنيًا بالمركبات الغذائية والإنزيمات والعناصر المعدنية، كما أن عينات منه حصدت جوائز عربية ودولية تقديرًا لجودتها.

لكن هذا القطاع يواجه تحديات تتجاوز اعتداءات المستوطنين، إذ يدعو جرادات إلى الحد من استخدام المبيدات الزراعية، واعتماد ترددات اتصالات أقل تأثيرًا على النحل، وإعداد خريطة وطنية لمواسم الإزهار تساعد النحالين على نقل خلاياهم بين المناطق المختلفة، وهي عملية أصبحت أكثر صعوبة بفعل الجدار والاستيطان والحواجز العسكرية.

ولا يقتصر أثر الاعتداءات على خسارة إنتاج العسل، بل يمتد إلى الأمن الغذائي نفسه، فالنحل مسؤول عن تلقيح نسبة كبيرة من النباتات والمحاصيل، وتراجع أعداده يعني انخفاض الإنتاج الزراعي وتراجع التنوع الحيوي.

ويضيف جرادات: "الإبادة بغزة كانت كارثية على هذا القطاع، إذ دُمّرت أكثر من 25 ألف خلية نحل، من أصل نحو 80 ألفًا كانت موجودة في فلسطين، وهو ما ألحق ضررًا بالغًا بقطاع تعتمد عليه أكثر من 2500 أسرة فلسطينية، وأثر في تلقيح محاصيل أساسية مثل البطيخ والفراولة والمانجو والزيتون".

في مسافر يطا، لم يعد النحل مجرد حشرة تنتج العسل، صار شريكًا في معركة البقاء، وبينما يحاول الاحتلال تضييق الجغرافيا على الفلسطينيين، يواصل النحل كتابة حكاية مختلفة.. رحيقٌ يجد دائمًا طريقه نحو الخلية.