متفوّقو غزة.. من لوحات الشرف إلى قوائم الغياب
تاريخ النشر : 2026-07-20 12:07

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

داخل خيمة نزوحها في مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، تستعيد الخريجة الجامعية ولاء حرارة (24 عامًا) لحظة إعلان فوزها بجائزة أفضل بحث جامعي في مسابقة البحث العلمي التي نظمتها وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع وزارة شؤون المرأة في يونيو/حزيران من عام 2023م، عن بحثها المعنون "قضايا المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة".

تقول لـ"نوى" بصوتٍ يمتزج فيه الفخر بالحسرة: "حين أُعلنت النتائج، تلقيت اتصالًا من ممثل الوزارة في رام الله. كانت لحظة انتظرتها طويلًا، لكنها جاءت مشوبة بمرارة النزوح الذي كنت أعيشه، وما زلت".

الحرب قلبت المشهد كله. تحول حلم الفتاة المجتهدة من البحث عن منحة ماجستير خارج غزة إلى البحث عن مكان آمن يؤوي أسرتها بعد نزوحها إلى وسط القطاع.

قبل الحرب، كانت ولاء طالبة في قسم الإعلام وتكنولوجيا الاتصال بجامعة الإسراء، تقضي ساعات طويلة بين المراجع والكتب لإتمام مشروع تخرجها.

يومها، بدا لها الفوز بداية طريق جديد نحو الدراسات العليا، لا نهايةً لإنجاز أكاديمي. تخبرنا: "عملتُ أشهرًا على البحث، وحين فاز بجائزة أفضل بحث على مستوى الوطن شعرت أن حلمي بدأ يتحقق، وأن الطريق أصبح ممهدًا لاستكمال دراستي وتحقيق طموحي الأكاديمي".

لكن الحرب قلبت المشهد كله. تحول حلم الفتاة المجتهدة من البحث عن منحة ماجستير خارج غزة إلى البحث عن مكان آمن يؤوي أسرتها بعد تدمير منزلها ونزوحها إلى وسط القطاع.

ورغم ذلك، لا تتحدث ولاء عن أحلامها بصيغة الماضي، وتقول: "أحلامي لم تمت، لكنها تأجلت أمام ضرورات الحياة ومعاناة النزوح"، مضيفةً بحسرة: "غزة مليئة بالطلبة المتفوقين والموهوبين القادرين على المنافسة.. المشكلة ليست في قدراتهم، بل في ظروف الحرب التي حرمتهم من الاستعداد والمشاركة في المسابقات".

ولم تغب أسماء طلبة غزة عن منصات التتويج لأنهم فقدوا تميزهم، بل لأن الحرب انتزعت منهم البيئة التي كانت تصنع هذا التميز.

فمنذ أن تحولت المدارس إلى مراكز إيواء، والجامعات إلى ركام، والخيام إلى أماكن للدراسة، اختفت أسماء اعتادت أن تتصدر قوائم الأوائل والمسابقات العلمية، وحلّت مكانها قوائم طويلة من الغياب، في واحدة من أكثر صور الإبادة التعليمية قسوة.

ولا تبدو قصة ولاء استثناءً في قطاع اعتادت مدارسه وجامعاته، قبل الحرب، أن تحصد مراكز متقدمة في مسابقات علمية وأكاديمية على المستويات الفلسطينية والعربية والدولية.

غياب المنصات.. لا غياب الكفاءة

وربما يكون أكثر ما يكشف حجم الإبادة التعليمية الصامتة في غزة اختفاء أسماء مدارسها وطلبتها من قوائم التكريم والمسابقات التي اعتادت أن تتصدرها عامًا بعد عام.

ويرى مدير مدرسة المتنبي الثانوية، جمال أبو عساكر، أن هذا الغياب لا يعكس تراجعًا في قدرات الطلبة، بقدر ما يعكس الانهيار الكامل الذي أصاب البيئة التعليمية.

"كنا ننتظر إعلان النتائج بثقة، لأننا نعرف أن لدينا طلبة قادرين على المنافسة (..) الحرب لم توقف العملية التعليمية فحسب، بل دمرت البيئة التي تُنتج التميز".

ويقول لـ"نوى": "قبل الحرب، كانت المدرسة أشبه بخلية نحل. كنا نعيش حراكًا علميًا وثقافيًا متواصلًا، ولم يكن حصولنا على المراكز الأولى في الثانوية العامة محض صدفة، بل نتيجة سنوات من العمل المنظم.. كنا ننتظر إعلان النتائج بثقة، لأننا نعرف أن لدينا طلبة قادرين على المنافسة في مختلف المجالات".

ويضيف: "الحرب لم توقف العملية التعليمية فحسب، بل دمرت البيئة التي تُنتج التميز".

ويتابع: "الطالب المتفوق يحتاج إلى الاستقرار، وإلى معلم يتابعه، ومكتبة، ومختبر، وكهرباء، وإنترنت، ووقت للقراءة والتفكير.. اليوم، أصبحت هذه المقومات رفاهية مفقودة".

"الطالب المتفوق يحتاج إلى الاستقرار، وإلى معلم يتابعه، ومكتبة، ومختبر، وكهرباء، وإنترنت، ووقت للقراءة والتفكير.. اليوم، أصبحت هذه المقومات رفاهية مفقودة".

ويشير إلى أن عددًا كبيرًا جدًا من الطلبة تعرضوا للنزوح مرات عديدة، وفقد بعضهم أفرادًا من عائلاتهم، ويعيشون اليوم داخل خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، متسائلًا: "كيف يمكن لطالب أن يراجع دروسه وسط الحر الشديد، والازدحام، وانعدام الخصوصية، وهو بالكاد يجد مكانًا يجلس فيه؟".

ورغم مرور أكثر من ألف يوم على الحرب، يؤكد أبو عساكر أن الذكاء والطموح والموهبة لم تغادر طلبة غزة، لكن البيئة التي تسمح لهذه القدرات بالازدهار انهارت بالكامل.

ويقول: "لا يمكن مطالبة طالب يعيش تحت القصف أو داخل مركز إيواء بأن ينافس طالبًا يدرس في مدرسة مستقرة، ويملك مكتبة وإنترنت ومعامل حديثة (..) المقارنة ليست عادلة أصلًا".

"لا يمكن مطالبة طالب يعيش تحت القصف أو داخل مركز إيواء بأن ينافس طالبًا يدرس في مدرسة مستقرة، ويملك مكتبة وإنترنت ومعامل حديثة".

ويشدد على أن غياب مدارس غزة عن منصات التتويج لا يعني غياب الكفاءة، بل غياب الظروف التي تسمح بإظهارها، لكن أكثر ما يؤلمه -كما يقول- التحول الذي أصاب أحلام الطلبة أنفسهم.

"حين أتحدث معهم، أجد أن كثيرين لم يعودوا يحلمون بالجامعات أو الجوائز أو المنح الدراسية.. أصبح أقصى ما يتمنونه أن يعودوا إلى صفوفهم، أو أن يعيشوا في بيت آمن، أو أن تتوفر الكهرباء ليتمكنوا من الدراسة".

ويضيف: "الحرب لم تؤجل التعليم فقط، بل أعادت ترتيب أولويات جيل كامل، وهذا أثر نفسي وتربوي ستحتاج معالجته إلى سنوات طويلة".

أرقام تروي حجم الخسارة

وتشير تقديرات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إلى أن نحو 90% من مدارس قطاع غزة تعرضت للتدمير أو لأضرار جسيمة، ما يجعل إعادة تأهيلها مهمة شاقة تتطلب وقتًا وموارد ضخمة.

كما تؤكد الوكالة أن نحو 660 ألف طفل حُرموا من التعليم للسنة الثالثة على التوالي بسبب الحرب، محذرة من خطر تحول أطفال غزة إلى "جيل ضائع".

في المحصلة، لا يبدو أن غياب أسماء مدارس غزة وطلبتها عن مسابقات التميز مجرد سطر ناقص في قوائم النتائج، لكنه في الحقيقة عنوان كبير لقصة جيل فقد مستقبله التعليمي وإبداعه الحقيقي، وحتى يحين ذلك اليوم الذي تعود فيه تلك الأسماء إلى لوحات الشرف كما كانت في السابق، ستظل قوائم الغياب تذكر بأن أكبر خسائر الحروب ليست ما تهدمه من حجر، بل ما تؤجله من أحلام وما تحجبه من فرص.