على أطراف جالود.. عائلة تقاوم التهجير بالبقاء
تاريخ النشر : 2026-07-16 12:21

الضفة الغربية:

لم يعد الليل وقتًا للنوم في منزل عائلة الطوباسي، بل ساعاتٍ طويلة من الترقب والخوف، فمنذ أن نصب مستوطنون خيمة استيطانية على بعد نحو مئة متر من منزلهم، واستولوا على منزل غير مأهول مجاور، تحولت حياة العائلة إلى حصار مفتوح داخل منزلها الواقع على أطراف بلدة جالود، جنوبي نابلس بالضفة الغربية.

يقول محمود الطوباسي، رب الأسرة، إن المستوطنين صعّدوا اعتداءاتهم منذ الـ19 من نيسان الماضي، فحاولوا أكثر من مرة إحراق المنزل، وأحرقوا مركبة كانت متوقفة في الطابق الأرضي، إضافة إلى رشق المنزل بالحجارة بصورة شبه يومية.

ويضيف في حديثه لـ"نوى" أن منزله ومنزل نجليه المتجاورين، واللذين يفصل بينهما نحو 30 مترًا، يقعان على بعد كيلومتر ونصف تقريبًا من مركز البلدة.

وبعد أن قطع المستوطنون الأشجار المحيطة وأقاموا بؤرة استيطانية جديدة، ثم استولوا على منزل قريب، أصبحت العائلة معزولة بالكامل عن البلدة منذ نحو أسبوعين.

الاعتداءات بحقه تعود إلى عام 1995، وكان من بينها تعرضه للضرب عام 2011 أثناء وجوده في أرضه

ولم يقتصر الحصار على تقييد الحركة، بل طال أبسط مقومات الحياة، فقد نفدت المؤن بعد عشرة أيام من العزلة، ولم تتمكن العائلة من شراء احتياجاتها إلا مرة واحدة، بعد تنسيق مع الارتباط الفلسطيني والإسرائيلي للوصول إلى البلدة تحت مرافقة عسكرية، إلا أن المحاولات اللاحقة فشلت بعدما أغلق المستوطنون الطريق بالحجارة، ولاحقوا أحد أبناء العائلة أمام جنود الاحتلال، بحسب الطوباسي.

كما طالت الاعتداءات مصدر المياه، إذ أتلف المستوطنون مضخة المياه وقطعوا الأنابيب المغذية للمنزل، ما أجبر أفراد الأسرة على تقنين استهلاك كل قطرة ماء.

وبسبب تدهور الأوضاع، اضطر الطوباسي إلى إجلاء زوجات أبنائه وأحفاده، وأصغرهم رضيع يبلغ سبعة أشهر، إلى منازل أقاربهم قبل أن يشتد الحصار، فيما بقي هو وزوجته ونجلاه داخل المنزلين.

ويقول إن مجرد الانتقال بين المنزلين أصبح مخاطرة، كما بات الوصول إلى الأشجار والمزروعات المحيطة مغامرة قد تنتهي باعتداء من المستوطنين، الأمر الذي حرم العائلة من الاستفادة من محاصيلها، ودفعها إلى الاكتفاء بوجبة واحدة يوميًا حفاظًا على ما تبقى من الغذاء.

ويصف واقعهم قائلاً: "إذا خرجنا مترًا واحدًا خارج المنزل يهاجمنا المستوطنون. حتى إنهم هددونا قائلين: سنحرقكم كما أحرقنا عائلة دوابشة".

ولا تبدأ معاناة محمود الطوباسي اليوم. ففي عام 2001 أصيب برصاصة أطلقها أحد المستوطنين أثناء عمله في حراثة أرضه، ما أدى إلى إصابته بإعاقة دائمة في قدمه، واضطره إلى ترك العمل والاعتماد على الزراعة في محيط منزله.

واليوم، يقف عاجزًا عن الوصول إلى تلك الأشجار نفسها، ويقول: "أبنائي لا يستطيعون الخروج للعمل، وحتى أشجار المشمش والجوز ننظر إليها ولا نستطيع قطف ثمارها، فنحاول الوصول إليها ليلًا حتى لا يرانا المستوطنون".

ويشير إلى أن الاعتداءات بحقه تعود إلى عام 1995، وكان من بينها تعرضه للضرب عام 2011 أثناء وجوده في أرضه برفقة متضامنين وعاملين في الإغاثة الزراعية، ما تسبب بخسائر متكررة في محاصيله التي كانت تشكل مصدر رزقه.

ويناشد الطوباسي الجهات الرسمية والمؤسسات الحقوقية التدخل العاجل لفك الحصار عن عائلته، وفتح الطريق المؤدية إلى المنزل، وتأمين الحماية والسماح بوصول الغذاء والمياه.

في عام 2001 أصيب برصاصة أطلقها أحد المستوطنين أثناء عمله في حراثة أرضه

من جانبه، يؤكد الناشط في مقاومة الاستيطان بجنوب نابلس، بشار القريوتي، أن ما تعيشه عائلة الطوباسي هو جزء من واقع تعيشه عشرات العائلات الفلسطينية في المنطقة، التي تتعرض لاعتداءات يومية من المستوطنين وجيش الاحتلال.

ويقول إن المستوطنين انتقلوا من الاعتداء على الأراضي إلى احتلال المنازل الواقعة على أطراف القرى أو تلك غير المأهولة وقيد الإنشاء، بهدف تحويلها إلى نقاط ارتكاز للتوسع داخل التجمعات الفلسطينية، واصفًا ذلك بأنه تطور بالغ الخطورة.

ويضيف أن جنوب نابلس يشهد تصاعدًا في الاستيلاء على المنازل وإقامة البؤر الاستيطانية، خصوصًا في بلدات جالود وقريوت وقبلان وقصرة، في إطار مشروع يهدف إلى تقطيع التواصل الجغرافي بين القرى الفلسطينية.

ويوضح أن منزل عائلة الطوباسي يقع قرب مستوطنة "يش كودش"، وتحاصره ثلاث بؤر استيطانية، بعضها أُقيم حديثًا، ما يمنحه أهمية جغرافية بالنسبة للمستوطنين، فيما يشكل بقاء العائلة فيه عائقًا أمام تمدد المشروع الاستيطاني في المنطقة.

ويختتم القريوتي بالقول: "ما تشهده المنطقة كارثة استيطانية غير مسبوقة، والعائلات الفلسطينية تعيش كابوسًا يوميًا في مواجهة محاولات الاستيلاء على الأرض وتهجير السكان."