منذ استشهاد ابنه قبل نحو عام، لم يفكر والد محمود الأسطل في استخراج شهادة وفاة رسمية له. فكما يقول، لا يرى اليوم ما يدفعه إلى ذلك، بينما ينشغل بمحاولة تأمين احتياجات أسرته في ظل حرب جعلت أبسط المعاملات الرسمية مؤجلة إلى أجل غير معلوم. قصة محمود ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف الحالات التي تكشف جانبًا آخر من آثار الحرب في قطاع غزة.
ورغم أن الجهات الصحية تقوم بتسجيل أسماء الشهداء وإدراج بياناتهم ضمن السجلات الرسمية، فإن العديد من العائلات لا تزال تعتمد على التقارير الطبية أو إشعارات الوفاة الصادرة عن المستشفيات باعتبارها وثائق كافية لإثبات استشهاد أبنائها، دون التوجه إلى استصدار شهادات وفاة رسمية من الجهات المختصة.
والد الشهيد محمود الأسطل (22 عامًا) واحد من هؤلاء. فقد استشهد نجله في 24 يوليو/تموز 2025 بمدينة خان يونس، إثر استهدافه من الجيش الإسرائيلي أثناء جمع الحطب. ويقول إنه اكتفى بالتقرير الصادر عن المستشفى، معتبرًا أن استخراج شهادة وفاة رسمية ليس أولوية في الوقت الحالي.
يوضح: "لدي تقرير من المستشفى يثبت استشهاد ابني، ولا أرى أهمية كبيرة لاستخراج شهادة وفاة الآن. نحن نعيش ظروفًا صعبة، ولا توجد أي تعويضات أو إجراءات تستدعي الإسراع في استخراجها".
ويرى الأسطل أن متطلبات الحياة اليومية وتأمين احتياجات الأسرة أصبحت تتقدم على أي معاملات رسمية، مشيرًا إلى أن كثيرًا من العائلات تنظر إلى الأمر بالطريقة نفسها، في ظل صعوبة الوصول إلى المؤسسات المختصة وغياب الإجراءات التي تجعل استخراج الوثيقة أمرًا عاجلًا.
ولا يختلف حال والد الشهيد هادي أبو لحية كثيرًا، إذ استشهد نجله البالغ من العمر (16 عامًا) في اليوم نفسه، لكن في حادثة مختلفة. ويؤكد أن صعوبة التنقل والظروف التي يعيشها النازحون حالت دون توجهه من منطقة المواصي في خان يونس إلى مستشفى شهداء الأقصى لاستكمال إجراءات استخراج شهادة وفاة أو وثيقة تثبت استشهاد ابنه.
يشرح:"لم أتمكن من الذهاب إلى المستشفى بسبب الظروف التي نعيشها. هناك أولويات كثيرة تشغلنا يوميًا، كما أنه لا توجد حاليًا أي تعويضات أو إجراءات تجعل استخراج الشهادة أمرًا عاجلًا. ابني كان عازبًا، ولا يوجد من يحتاج حاليًا إلى شهادة الوفاة أو الوثيقة التي تثبت أنه شهيد".
ويشير إلى أن استشهاد نجله موثق لدى الجهات الصحية، الأمر الذي دفعه إلى تأجيل هذه الخطوة إلى حين تحسن الظروف.
أما أحد المواطنين، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، فيربط تأجيل استخراج شهادات الوفاة بحجم الفاجعة التي تعرضت لها عائلته. ويقول إن عائلة شقيقته من عائلة عبد ربه فقدت عددًا كبيرًا من أفرادها من أجيال مختلفة، ما جعل الإجراءات الرسمية تأتي في مرتبة متأخرة أمام حجم الخسارة.
ويصف حال عائلته:"عندما تفقد عائلات كاملة من الجيل الأول والثاني والثالث، تصبح الأوراق الرسمية آخر ما تفكر فيه. جميع الشهداء مسجلون لدى وزارة الصحة، ولا يوجد ما يدفعنا لاستخراج شهادات في الوقت الحالي".
ويعتقد أن غياب أي حقوق أو إجراءات مرتبطة بهذه الوثائق في الوقت الحالي يعزز قناعة كثير من العائلات بتأجيل استخراجها، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية المعقدة.
وعلى خلاف هذه الحالات، اضطرت بعض العائلات إلى استخراج شهادات وفاة بسبب ارتباطها بإجراءات قانونية ضرورية، من بين هؤلاء أنور أبو الكأس، الذي استخرج شهادتي وفاة لشقيقه محمد وزوجته سوزان، اللذين استشهدا مع طفلهما محمد (4 أعوام)، إثر استهداف منزلهم في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
ويقول أبو الكأس إن استخراج شهادتي الوفاة جاء بعد طلب الجهات المختصة توفير الوثائق اللازمة لاستصدار شهادة وصاية لأبناء شقيقه الناجين من القصف، وهم عبد الكريم، وهدية، ولوجين.
أما شهادة وفاة الطفل محمد فلم يستخرجها، موضحًا:"لم يطلب مني أحد شهادة الوفاة، لذلك لم أستخرجها. إذا طلبتها إحدى المؤسسات مستقبلًا ضمن إجراءات التعويض، فسأستخرجها، أما إذا لم يطلبها أحد فلا أجد سببًا لذلك".
ويؤكد رئيس وحدة المعلومات في وزارة الصحة، الدكتور زاهر الوحيدي، أن ظاهرة عدم استخراج شهادات الوفاة أصبحت واسعة الانتشار، مشيرًا إلى أن أكثر من ألفي شهيد لم تُستخرج لهم شهادات وفاة حتى الآن.
ويرجع الوحيدي ذلك إلى النزوح المستمر، وصعوبة الوصول إلى المؤسسات المختصة، وانشغال العائلات بتأمين احتياجاتها الأساسية، إضافة إلى فقدان بعض الأسر أعدادًا كبيرة من أفرادها، وعدم وجود دافع مباشر لدى بعض العائلات لاستكمال الإجراءات.
وينبه إلى أن استمرار تأجيل استخراج هذه الوثائق قد ينعكس مستقبلًا على العديد من الجوانب القانونية والإدارية.
ويقول إن شهادة الوفاة تُعد وثيقة أساسية لتحديث السجلات الرسمية، وإنجاز معاملات الميراث وحصر الإرث، وإثبات الحقوق المدنية المختلفة، كما تشكل جزءًا مهمًا من عملية التوثيق الرسمية التي تحفظ حقوق الضحايا وعائلاتهم، ويجب أن تتم بأسرع وقت
ولا تقتصر المشكلة على تأجيل استخراج شهادات الوفاة، إذ تواجه عائلات أخرى صعوبات في إثبات الوفاة نفسها، بسبب تضرر المؤسسات، وصعوبة الوصول إلى الجهات المختصة، وتعقيدات توثيق بعض الحالات، خاصة تلك التي لم تُنتشل فيها الجثامين أو لم تُسجل عبر المستشفيات.
وبحسب الوحيدي، فقد تراكمت آلاف الطلبات الخاصة بإثبات الوفاة، حيث وصلت أعداد الطلبات المقدمة إلى نحو 16 ألف طلب، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها العائلات في استكمال الإجراءات القانونية بعد فقدان ذويها.
وفي ظل استمرار الحرب، تتحول رحلة توثيق الوفاة بالنسبة لآلاف العائلات في غزة إلى إجراء مؤجل، تفرضه ظروف النزوح والفقدان والانشغال بتأمين مقومات الحياة الأساسية، رغم أن هذه الوثائق قد تصبح لاحقًا مفتاحًا لحفظ الحقوق القانونية والمدنية لعائلات الشهداء.
