الضفة الغربية:
وقف حسام أبو سلامة يتابع شفرات الجرافات الإسرائيلية وهي تغوص في تراب أرضه، وتقتلع أشجار الزيتون واحدةً تلو الأخرى. صباح الجمعة، السادس من مارس/آذار 2026، تحولت سبعة وعشرون دونمًا من أراضي قرية فقوعة شمال شرقي جنين إلى أرضٍ مجروفة، فيما كان الرجل يرى آخر ما بقي له من ذكرى زوجته يُنتزع أمام عينيه.
ثمانية دونمات من أرضه، شهدت في أكتوبر/تشرين الأول 2024 سقوط زوجته حنان أبو سلامة برصاص جنود الاحتلال، بينما كانت تجمع محصول الزيتون بتصريح تنسيق مسبق. ومنذ ذلك اليوم، صار حسام يعود إلى الأرض ليزور زوجته في الذاكرة، حتى جاء التجريف.

يتذكر تفاصيل ذلك الصباح المُر -حسب وصفه-، حين استيقظت "أم فارس" -كما يحب مناداتها- متحمسة لجمع محصول الزيتون بعد عام من الحرمان؛ لم يتوقعوا أن بنادق الجنود ستبدأ بإطلاق النار المكثف، لتسقط الزوجة برصاصة في ظهرها، وتنزف حتى الموت دون مغيث.
تلك الرصاصة جعلت حنان من أوائل النساء اللواتي سقطن خلال مواسم الزيتون في السنوات الأخيرة؛ واليوم يقف زوجها أمام جذوع الشجر المقتلعة، ليرى خسارة مزدوجة تلخص حكايته، فيردد بحسرة أن الأرض التي أخذت زوجته، أخذوها اليوم منه أيضًا.
سبقت الجرافات بيومين سلسلةٌ من الإجراءات العسكرية التي أغلقت أبواب الاعتراض أمام الأهالي. ففي الرابع من مارس/آذار 2026، أخطرت سلطات الاحتلال السكان بقرار المصادرة، وحين سارعوا للطعن أمام المحكمة العسكرية، وجدوا أبوابها موصدة بذريعة الظروف الراهنة والحرب المستعرة بين إسرائيل وإيران.
ولا تقف قصة عائلة أبو سلامة عند حدود فقوعة، بل تأتي ضمن سياق أوسع أقرته حكومة الاحتلال في فبراير من العام ذاته، حين صادقت على تسجيل مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية بزعم أنها أملاكًا عامة إسرائيلية، في خطوة تُنهي العمل بالتجميد المفروض على هذا الملف منذ عام 1967.
تبلغ المساحة الأصلية لبلدة فقوعة نحو 36 ألف دونم، استولى الاحتلال على 25 ألفًا منها إبان نكبة 1948، ولم يتبق لأهاليها الـ5000 سوى عشرة آلاف دونم فقط، تضم منازلهم ومزارعهم المحاصرة بمستوطنة معالي جلبوع.
البلدة التي قاومت منذ ثورة 1936 وقدمت أكثر من أربعين شهيدًا، باتت مخنوقة بجدار الضم والتوسع الإسرائيلي الذي أنشئ بين عامي 2002 و2003، ليعزل المزارعين خلف نظام تصاريح أمني معقد وأيام محددة، مما أدى لإهمال مساحات زراعية واسعة.

تأثرت فقوعة بشكل مباشر بمسار الجدار التوسعي، ويوضح أمير داود، مدير عام التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أن الاحتلال يمارس تضييقًا ممنهجًا يهدف لقطع صلة الناس ببيئتهم وسلبهم القدرة على استثمار ما تبقى من أراضيهم الخصبة.
ويشير داود إلى أن سلطات الاحتلال توسعت بالسنوات الثلاث الماضية في استخدام مسمى المحميات الطبيعية كأداة سياسية لمصادرة 75 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية؛ ورغم طابع المسمى البيئي، فإنه يوظف لفرض قيود على البناء والتمهيد للتوسع الاستيطاني.
لمواجهة هذا التغول، يضيف داود أن الهيئة تقود معركة شاملة عبر أربعة مسارات رئيسية، تبدأ بالتوثيق الميداني الدقيق للانتهاكات والمصادرات وحالات منع الوصول للأراضي عبر فرق متخصصة تجمع البيانات والشهادات لتبني قاعدة معلومات قانونية متكاملة.
أما المسار الثاني فيركز على المتابعة القانونية والإدارية من خلال الاعتراض على إجراءات المصادرة والقيود التعسفية أمام المحاكم المختلفة، والسعي لكسر القرارات العسكرية المرتبطة بإعلان المحميات الاستيطانية التي تلتهم سفوح التلال الشرقية ومناطق الأغوار الحيوية.
ويتمثل المسار الثالث، وفقًا لداود، في تدويل هذه القضايا عبر تزويد الهيئات الأممية والمؤسسات الدولية بتقارير تفصيلية تبرز توظيف الأدوات القانونية الإسرائيلية لتكريس السيطرة؛ بينما يظل المسار الرابع والأهم هو دعم صمود المواطنين وثباتهم فوق ترابهم.
يرى داود أن ثبات السكان في أرضهم يشكل خط الدفاع الأول لإفشال مخططات التطهير المكاني والتهجير الصامت؛ ولذلك تركز الهيئة جهودها لضمان استمرار الزراعة والحياة اليومية، رغم التهديدات الأمنية المباشرة وحملات الملاحقة التي لا تتوقف عند حدود القرية.
الخطر بات يشمل البرية الفلسطينية ذاتها؛ إذ يوضح المؤرخ مفيد جلغوم أن المناطق القريبة من الجدار تحولت لمساحات محرمة يسودها الموت؛ حيث يطلق الجنود الرصاص الحي باتجاه المواطنين والرعاة وحتى المتنزهين الذين يقتربون لمسافة تصل لمئات الأمتار.
هذا المنع العسكري يحرم العائلات من نمط حياتها التراثي، حيث يعتمد الأهالي شتاءً وربيعًا على جمع نباتات المطبخ التقليدي كالعكوب والخبيزة؛ ويرى الباحث أحمد أبو الهيجاء أن ملاحقة قاطفي النباتات تهدف لقطع الارتباط الروحي بين الفلسطيني ومحيطه الطبيعي.
يؤكد أبو الهيجاء أن الزراعة ارتبطت دائمًا بالهوية، ولهذا استهدفت منذ عام 1967 عبر إلغاء المادة الزراعية من المناهج المدرسية؛ واليوم تُصادر المساحات البرية بذريعة حماية الطبيعة، بينما يُسمح للمستوطنين بتجريف الجبال وتغيير المعالم الطبيعية بالكامل.
تشكل هذه النباتات الموسمية مصدرًا رئيسيًا لرزق مئات العائلات في ظل الحصار المتواصل منذ عامين؛ وبين سياسات المصادرة وشبح الجدار، يجد سكان فقوعة أنفسهم في مواجهة يومية مريرة، حيث يتقلص فضاؤهم الجغرافي والحيوي مع إشراقة كل صباح جديد.
ويشير أبو الهيجاء إلى أن الجبال خلال فصلي الشتاء والربيع تُعد موئلًا أساسيًا للنباتات البرية التي تشكل جزءًا من المطبخ الفلسطيني التقليدي مثل العكوب، الزعتر الفارسي، الخبيزة، العلك، السلك، الزعمطوط والفطر، إلى جانب كونها أعشابًا طبية ذات فوائد صحية.
ورغم تهديد بعض هذه النباتات بالمبيدات الكيميائية والزحف العمراني، فإن السبب الرئيسي في تراجعها هو مصادرة الأراضي والسيطرة الاستيطانية الواسعة التي قلصت المناطق البرية والسفوح الجبلية -وفق أبو الهيجاء-.
