قطاع غزة:
"بكم عملت اليافطة؟".. يسأل رجلٌ صاحب متجرٍ افتتحه حديثًا في شارع المحررات غرب مدينة خانيونس، وهو يتأمل الحروف العريضة المرسومة على شادر بلاستيكي.
يجيبه صاحبه مبتسمًا: "ليست مطبوعة.. خطاط رسمها بيده"، يهز الرجل رأسه بإعجاب قبل أن يرد سريعًا: "أعطني رقمه."
مشهدٌ بات يتكرر كثيرًا في أسواق غزة خلال الأشهر الأخيرة، بعدما أعادت حرب الإبادة الإسرائيلية مهنة الخطاطين إلى الواجهة، في وقت دفعت فيه كلفة الطباعة، وانهيار البنية الاقتصادية، أصحاب المشاريع الصغيرة إلى البحث عن بدائل أقل كلفة وأكثر قدرة على التكيّف مع واقع الحرب.
يقول الخطاط والرسام إبراهيم عدوان (42 عامًا) لـ"نوى" إن عمله كان قبل الحرب يقتصر على الكتابة على الجدران في مناسبات الزفاف ومواسم الحج، أو إعداد بعض الوسائل المدرسية، أما اليوم فأغلب الطلبات أصبحت لتجهيز واجهات المحال والكتابة على الشوادر.

مع توسع الأسواق الشعبية وافتتاح عشرات الأكشاك المؤقتة، صار أصحاب المحال يتواصلون مع إبراهيم يوميًا لكتابة أسماء متاجرهم على الشوادر، بعدما كانت طلباته قبل الحرب تقتصر على مناسبات الزفاف وبعض الوسائل المدرسية.
ويضيف: "فجأة عادت المهنة للحياة. كثيرون اكتشفوا أن الإعلان اليدوي ليس أرخص فقط، بل يمنح كل محل شخصية مختلفة، بعيدًا عن التصاميم الجاهزة التي تشبه بعضها."
غير أن هذه العودة لا تخلو من القلق، فأسعار الدهانات والألوان ارتفعت بصورة كبيرة، ما يجعل استمرار المهنة مرهونًا بقدرة الخطاطين على موازنة التكلفة. ويخشى عدوان أن يتراجع الطلب مجددًا إذا تقلص الفارق بين أسعار الطباعة الرقمية والكتابة اليدوية.
قبل نحو عقدين، كانت الكتابة اليدوية تهيمن على واجهات المحال التجارية في قطاع غزة، قبل أن تتراجع تدريجيًا مع انتشار المطابع الرقمية، واللافتات المضيئة، وتقنيات الطباعة على الفينيل. ومع انخفاض تكلفة الطباعة وسرعة إنجازها، غادر كثير من الخطاطين مهنتهم أو اتجهوا إلى أعمال أخرى، حتى جاءت الحرب لتقلب المعادلة من جديد.
اليوم وفي الأسواق الممتدة داخل مناطق النزوح، يصعب تجاهل اللافتات المرسومة باليد، أسماء محال الخضار، والبقالات، والمخابز، وحتى البسطات الصغيرة، جميعها كُتبت بخطوط مختلفة وألوان زاهية فوق شوادر بلاستيكية، في مشهد يعيد الذاكرة إلى زمن كانت فيه الفرشاة وسيلة الإعلان الأولى، قبل أن تستبدلها الطابعات الحديثة.
بالنسبة لمحمود شراب (26 عامًا)، لم يكن اللجوء إلى الخطاط خيارًا فنيًا بقدر ما كان ضرورة اقتصادية، فبعد افتتاح متجر صغير لبيع الخضار، اكتشف أن كلفة اللافتة المطبوعة تتجاوز إمكاناته، خصوصًا أنها تحتاج إلى قاعدة تثبيت وإضاءة ومصدر كهرباء، وهي متطلبات يصعب توفيرها في ظل الظروف الحالية.

يتحدث لـ"نوى" بأن تكلفة الكتابة على أكثر من واجهة للمحل، مع الألوان والطلاء، لم تتجاوز 300 شيكل، بينما تبلغ كلفة لافتة مطبوعة واحدة أكثر من 600 شيكل.
لكن المفاجأة لم تكن في التوفير وحده، بل في أثر اللافتة نفسها، فبحسب شراب، أصبح الزبائن يصفون متجره من خلال شكل الخط والرسم قبل أن يذكروا موقعه، وكأن الواجهة المرسومة منحت المكان هوية يصعب تكرارها.
ويشير: "لم أكن أتوقع أن تلفت اللافتة انتباه الناس بهذا الشكل. أثبتت التجربة أن الإعلان اليدوي ما يزال قادرًا على الوصول إلى الناس رغم بساطته."
وربما لم تُعد الحرب هذه الحرفة لأنها أجمل من التكنولوجيا، بل لأنها أكثر قدرة على التكيف مع واقع يفتقر إلى الكهرباء، وتندر فيه المواد، وتتقلص فيه الخيارات، في واحدة من فرص الانتصار للحاجة على الرفاهية والمهارة على الإمكانات المحدودة.
