قطاع غزة:
تجلس خضرة غالية على الرمل، واضعةً كفها على خدها، تحدق في البحر الذي تعرفه منذ سبعةٍ وستين عامًا، كأنها تحاول أن تستعيد منه صورةً ضاعت إلى الأبد، أمامها تمتد الأمواج كما كانت دائمًا، لكن شيئًا واحدًا تغيّر؛ لم تعد تأتي إليه للنزهة، بل لتقيم على شاطئه خيمةً بعدما فقدت بيتها.
تقول إنها طوال عمرها لم تتخيّل أن يكون البحر مأواها الأخير، رغم مرارة العيش في قطاع غزة تحت ضربات الموت الإسرائيلية التي لم تهدأ يومًا.
قبل الإبادة، كان البحر موعدًا ثابتًا لعائلتها. هناك، على شاطئ العطاطرة شمالي القطاع، كانت تجمع أبناءها وبناتها وأحفادها، يشعلون الفحم، ويعدّون الطعام، ويبقون حتى ساعات الليل يغنون ويتسامرون، بينما يركض الأطفال بين الأمواج.
أحياناً كانوا يمكثون يومين كاملين، وكأن البحر بيتٌ آخر يتسع للجميع، أمّا اليوم، فلم يبق من تلك الصورة سوى الذكرى-تضيف-.

نزحت خضرة من بيت لاهيا إلى شاطئ الزوايدة وسط القطاع، بعدما ضاقت الأرض بالنازحين، لم تجد مكانًا تقيم فيه مع أسرتها سوى قطعة رملٍ على البحر، فنصبت خيمةً لا تقي حر الشمس ولا برد الليل.
تخبرنا: "أهرب أحيانًا من حرارة الخيمة وأجلس على الشاطئ، لكن الشمس تحرق جسدي هنا أيضًا، كما لم يعد البحر، الذي كان يومًا ملاذًا آمنًا بعيدًا عن القصف، بعيداً عن الحرب".
وتشرح خضرة أنها استيقظت ذات ليلة على أصوات الرصاص عند الثالثة فجرًا، بينما كان الصيادون يتهيأون للنزول إلى البحر، بدأت الزوارق الإسرائيلية بإطلاق النار والقذائف نحوهم، فأصيب عدد منهم، ووصل الرصاص إلى خيامهم، منبهة: "ولا رحمة الله لما بقينا أحياء".
وتكاد حكاية المعلمة أم فادي سكر تكون الوجه الآخر لذاكرة الشاطئ، فكلما ذكرت البحر، ارتسمت على وجهها ابتسامةٌ قصيرة لا تلبث أن تنطفئ.

تتذكر أيام الإجازات المدرسية، حين كانت تجتمع مع زميلاتها ومديرة المدرسة على البحر، يحملن الطعام، ويتبادلن الأحاديث بعيدًا عن ضجيج الصفوف وأعباء التدريس.
تقول: "يااه.. أحلى أيام حياتنا والله"، لكن تلك الجلسات انتهت مع حرب الإبادة، حيث استشهدت مديرة المدرسة، وتفرقت المعلمات؛ منهن من فقدت أحباءها، ومنهن من غادرت القطاع، ومن بقي يحمل أثقال الفقد.
تضيف المعلمة النازحة من حي الشجاعية إلى خيمةٍ قرب ميناء غزة: "البحر بده راحة بال، وما في راحة بال. كيف أستمتع فيه وكل اللي كانوا يجلسوا معي صاروا بين شهيد، وجريح وأسير وغائب؟"
وتزيد: "حتى البحر نفسه تغيّر"، صار لم يعد الهواء يحمل رائحة الملح وحدها، بل امتزج بروائح القمامة ومياه الصرف الصحي التي تصب فيه، بينما تنتشر الحشرات والقوارض حول خيام النازحين الممتدة على طول الساحل.
وتؤكد: "زمان كنا نأتي لنشم الهواء النظيف، كان فرصة للاستجمام فعلًا، اليوم أصبح المكان مليئًا بالروائح الكريهة والذكريات المؤلمة".
أما محمد حمام، فيبتسم حين يتذكر ليالي الشباب، قبل أن يقطعها النزوح، كان مع أصدقائه يستأجرون حافلةً صغيرة بعد صلاة العشاء، ويتوجهون إلى البحر. يلعبون كرة القدم، ويتنافسون في لعبة الشدّة، ويسبحون حتى الفجر، ثم يتناولون ما أحضروه من طعام وفاكهة ومكسرات.

يتحدث: "كنت أهرب من ضجيج الشجاعية إلى البحر"، ثم يصمت قليلًا قبل أن يكمل: "اليوم أتمنى لو عاد ضجيج الشجاعية".
نزح محمد إلى خيمةٍ في ميناء غزة، لكنه لا يستطيع حتى أن يقترب من الماء كما كان يفعل سابقًا، بسبب تلوثها، وانتشار الحشرات وقناديل البحر، التي جعلت الشاطئ مكانًا طاردًا، رغم أنه أصبح عنوان إقامة آلاف العائلات.
كان البحر، على امتداد سنوات طويلة، المتنفس الأخير لسكان غزة، إليه كانوا يحملون أفراحهم البسيطة، ويهربون من ضيق المدينة، ويتركون الأطفال يركضون خلف الموج حتى تغيب الشمس، أما اليوم، فقد بدّل الاحتلال عبر حربه التي تقتل وتُشرّد الناس وظيفة البحر كلها.
لم يعد مكاناً للراحة، ولا للرحلات، ولا للسهرات العائلية، صار أرضًا تُغرس فيها أوتاد الخيام، وحدودًا جديدةً للنزوح، ومساحةً يتقاسم فيها الناس الخوف والجوع والانتظار، ووحدها الأمواج ما تزال تعود كل يوم إلى الشاطئ، بينما الذين اعتادوا المجيء إليها من أجل الفسحة، صاروا ينتظرون عندها بيتًا لا تغمره الحرب.

