قطاع غزة:
في غزة، لم تتوقف حرب الإبادة الإسرائيلية عند الإنسان، وصلت إلى الكلاب والخيول، وإلى القطط التي بقيت في البيوت المهدمة، وإلى الحمير التي تجر عربات الماء، وإلى العيادات البيطرية التي فقدت أجهزتها قبل أن تفقد مرضاها. هنا أيضًا، للحرب ضحايا لا يعرفون لماذا أصابتهم.
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تلقى القطاع البيطري ضربة قاسية. القصف المتواصل، والنزوح، وانهيار الخدمات الأساسية، دمّر عشرات العيادات ومراكز الرعاية، فيما اختفت الأدوية واللقاحات من الأسواق، وارتفعت أسعار الأعلاف إلى مستويات غير مسبوقة، لتصبح رعاية الحيوانات معركة يومية لا تقل صعوبة عن البقاء نفسه.
ورغم ذلك، لم يغادر جميع الأطباء مواقعهم. بعضهم حمل ما استطاع إنقاذه من أدوات بسيطة، وأقام عيادات مؤقتة داخل خيام النزوح أو في زوايا عيادات أصدقاء، محاولًا إبقاء الحد الأدنى من الخدمات لحيوانات أصبحت بدورها ضحية للحرب
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تلقى القطاع البيطري ضربة قاسية. القصف المتواصل، والنزوح، وانهيار الخدمات الأساسية
وهنا، يستعيد الطبيبان البيطريان بشار شحادة ومعتصم قدورة، العاملان في مركز الرعاية البيطرية بمدينة غزة، ملامح المكان قبل الحرب، يقولان إن المركز كان يضم أجهزة جراحية متطورة، ومعدات تخدير، ولقاحات، وأدوية وأعلاف، وكان يستقبل مختلف الحالات ويجري عمليات جراحية متخصصة للحيوانات.
لكن مع تحول منطقة تل الهوى إلى ساحة قتال، واستهدافها بالأحزمة النارية، أصبح الوصول إلى المركز مستحيلًا، واضطر العاملون فيه إلى النزوح مرات متتالية. وخلال تلك الرحلة، تعرض المركز للتدمير والنهب، وفقد معظم معداته وأجهزته، ولم يبق أمام الأطباء سوى مواصلة العمل بما توفر لديهم من أدوات محدودة.
يقول شحادة إن أكثر ما واجههم كان اختفاء الأدوية والأعلاف، أو بيعها بأسعار لا يستطيع معظم المربين تحملها، مضيفًا أن بعض أنواع الأعلاف تضاعفت أسعارها عشرات المرات، فيما أصبحت أدوية أساسية نادرة الوجود، وإن توفرت فإنها تباع بأثمان باهظة، ما جعل علاج كثير من الحيوانات خارج قدرة أصحابها.
وخلال إحدى فترات الهدنة، عاد الطبيبان لتفقد مقر المركز، فوجداه شبه خالٍ بعد أن نُهبت محتوياته، ورغم حجم الخسارة، قررا إعادة تشغيله تدريجيًا، معتمدين على ما أمكن توفيره عبر التجار المحليين وبعض المبادرات الداعمة، في محاولة لإحياء خدمة لم تعد ترفًا في ظل الحرب.
كما تبدلت طبيعة الإصابات التي تصل إليهما، فمع نقص الغذاء والمياه، ازدادت حالات سوء التغذية والجفاف، بينما أصبحت الحيوانات العاملة، كالخيول والحمير، تحتاج إلى رعاية عاجلة بعد أن تحولت إلى وسيلة النقل الرئيسية في ظل غياب الوقود وتعطل المركبات. وحتى الحيوانات الأليفة التي بقيت مع أصحابها داخل الخيام لم تسلم من آثار الجوع والمرض.
ويلفت شحادة إلى أن انعدام الأعلاف المخصصة دفع بعض المربين إلى إطعام حيواناتهم بدائل غير مناسبة، بينها أطعمة بشرية ومكملات غذائية تحتوي على البصل والثوم، ما تسبب في مضاعفات صحية ونفوق عدد منها. لذلك لجأ الأطباء إلى نشر إرشادات توعوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، في محاولة لتقليل الأخطاء الغذائية التي فرضتها ظروف الحرب.
أما الطبيب معتصم قدورة، خريج الجامعة الأردنية، فيقول إنه استطاع خلال إحدى فترات الهدنة إنقاذ كمية محدودة من الأدوية والمستلزمات الطبية قبل تعرض العيادة للنهب الكامل، لكن أصعب ما واجهه لم يكن فقدان المعدات، بل الوقوف عاجزًا أمام حيوانات كان يمكن إنقاذها لو توفرت أبسط الإمكانات العلاجية.
وبرغم النقص الحاد، تمكن الفريق من إجراء عدد من العمليات الجراحية والتدخلات الطارئة، وعلاج إصابات خطيرة ومضاعفات ولادة وأمراض حادة، مستفيدين أحيانًا من إمكانات متاحة في مرافق صحية أخرى لتعويض جزء من العجز في المعدات البيطرية.
ولا يقتصر انهيار الخدمات البيطرية على الحيوانات وحدها، كما يؤكد الطبيبان، بل يمتد أثره إلى الصحة العامة والأمن الغذائي. فتعطل برامج التحصين والرقابة الصحية يرفع احتمالات انتشار الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، كما يضاعف خسائر الأسر التي تعتمد على الحيوانات مصدرًا للدخل أو وسيلةً للتنقل.
بينما تستمر الحرب في ترك آثارها على كل تفاصيل الحياة، يواصل الأطباء البيطريون أداء رسالتهم بأقل الإمكانات
ورغم الجوع والنزوح والفقر، ما زال كثير من أصحاب الحيوانات يتمسكون بها. يقطع بعضهم مسافات طويلة سيرًا على الأقدام بحثًا عن استشارة أو جرعة دواء قد تنقذ حصانًا أو قطة أو رأس ماشية، وكأن الحفاظ على حياة هذه الكائنات هو أيضًا محاولة للتشبث بما تبقى من الحياة.
وفي ختام حديثهما، يدعو الطبيبان المؤسسات الدولية والجهات المعنية إلى توفير الأدوية واللقاحات والمعدات الجراحية اللازمة لإعادة إحياء القطاع البيطري في غزة، مؤكدين أن حماية الحيوانات ليست قضية هامشية، بل جزء من حماية صحة المجتمع، وثروته الحيوانية، وأمنه الغذائي.
وبينما تستمر الحرب في ترك آثارها على كل تفاصيل الحياة، يواصل الأطباء البيطريون أداء رسالتهم بأقل الإمكانات، متمسكين بالأمل في أن يعود هذا القطاع يومًا إلى الحياة، كما يأمل الغزيون جميعًا أن تعود مدينتهم.
