حين تُلتهم هيبة الصحافة في غزة
تاريخ النشر : 2026-06-29 16:56
صورة تعبيرية لصحفي يشكو الجوع أثناء عمله تحت الإبادة

قطاع غزة:

"أتتسولون على حسابنا؟".. لم يكن هذا السؤال الحاد، المشحون بالمرارة، موجَّهًا إلى جامع تبرعات، ولا إلى ناشط إغاثي يطوف بين الخيام، بل وُجِّه مباشرة إلى صحفي جاء مدفوعًا بواجب التوثيق المهني لمعاناة النزوح.

عبارة مقتضبة، لكنها تختصر عمق الشرخ الذي أحدثه طول أمد الحرب في قطاع غزة؛ إذ لم يعد الصحفي مجرد ناقل يومي لقصص القصف والنزوح والمجاعة والفقد، بل بات مُطالَبًا، قبل كل شيء، بإثبات هويته المهنية، وتأكيد أنه ليس سوى نافذة يطل منها العالم على معاناة الناس، لا مستثمرًا في أوجاع الضحايا.

ومع استطالة أمد حرب الإبادة وتداخل الأدوار، برزت ظاهرة غير مألوفة؛ حالة من الشك والريبة المشوبة بالحذر تبدّت في العلاقة بين المواطن والصحفي، حيث اختلطت في أذهان الكثيرين الحدود الفاصلة بين الإعلامي الملتزم بقواعد المهنة، وبين الناشط والمؤثر الافتراضي وجامع التبرعات.

ومع استطالة أمد حرب الإبادة وتداخل الأدوار، برزت ظاهرة غير مألوفة؛ حالة من الشك والريبة المشوبة بالحذر تبدّت في العلاقة بين المواطن والصحفي

فبينما كان الصحفيون يركضون وسط حقول النار لتوثيق الحكايات الإنسانية ونقلها إلى الفضاء الدولي، نبتت على منصات التواصل الاجتماعي عشرات الحسابات لأشخاص قدموا أنفسهم بصفات إعلامية فضفاضة، ومارسوا أعمالًا إغاثية أو جمعًا للأموال تحت غطاء صحفي، الأمر الذي ارتد سلبيًا على صورة المهنة وموثوقيتها.

تتبدى هذه الأزمة بوضوح في شهادات الميدان؛ إذ تنقل مراسلة قناة "المسيرة"، دعاء روقة، لموقع "نوى"، رصدًا للتحول الملموس في نظرة الشارع للصحفيين خلال الحرب الحالية.

تشير الصحفية إلى أن معظم المواقف الميدانية باتت تبدأ بحالة من التوجس أو الاتهام المسبق، مستذكرة عبارات باتت تتكرر على مسامع الطواقم أثناء التصوير، من قبيل: "جئتم لتستفيدوا منا"، أو "تجمعون الأموال على حساب معاناتنا"، أو "تصوروننا من أجل الشهرة فقط"، وتنبه إلى أن هذا المناخ المشحون يدفع الكثيرين إلى رفض الحديث أو التمنع عن التصوير.

وترى روقة أن هذه النظرة السلبية لم تصنعها ممارسات الصحفيين المهنيين، بل تخلقت بفعل سلوكيات أشخاص انتحلوا صفات إعلامية بينما كانوا يمارسون أدوارًا دعائية أو إغاثية لا صلة لها بالصحافة.

ونتيجة لهذا الالتباس، تجد المراسلة نفسها في كثير من الأحيان مضطرة لإبراز بطاقتها الصحفية والتعريف الدقيق بالمؤسسة التي تمثلها قبل الشروع في أي مقابلة، في محاولة شاقة لإقناع المواطن بأن الكاميرا لا تسعى وراء مكاسب شخصية أو تمويلية.

يتطابق هذا التشخيص مع قراءة المراسل محمد الهمص، الذي يؤكد لـ"نوى" أن العلاقة بين الصحفي والجمهور شهدت انعطافًا حادًا؛ فبعد أن كان ينظر للصحفي في بواكير الحرب كطوق نجاة ونافذة وحيدة نحو الخارج، أدى التداخل والتعدد الفوضوي في الأدوار والمسميات الإعلامية إلى نشوء جدار من الحذر.

وينوه الهمص إلى أن عائلات كثيرة باتت تتردد طويلًا قبل فتح أبواب حكاياتها للإعلام، وغدا السؤال عن هوية المؤسسة والهدف من التصوير لازمة متكررة في أي لقاء ميداني.

هذا الامتناع والشك، بحسب الهمص، تسببا في حجب قصص ومعلومات حيوية تستحق التوثيق، بل إن حكايات كاملة تضيع وتندثر لمجرد أن أصحابها يحملون انطباعات سلبية من تجارب سابقة مع منتحلي الصفة.

لكن، كيف انحدرت الثقة إلى هذا المستوى؟ يرد مدير عام وكالة "صفا" الإخبارية، محمد أبو قمر، هذه المعضلة إلى سياق أقدم من الحرب الحالية؛ إذ يرى في حديثه لموقع "نوى" أن الأزمة بدأت قبل سنوات مع توسع منصات التواصل الاجتماعي، وظهور فاعلين جدد في المجال العام دون ضوابط أو تعريفات تفصلهم عن الصحافة المهنية.

وجاءت حرب الإبادة لتُعمق هذا الخلط بفعل امتدادها الزمني، وكثافة الأحداث، والحاجة المتعاظمة إلى التدفق المستمر للصور والتحديثات الميدانية.

ويوضح أبو قمر أن بعض صناع المحتوى والمؤثرين الذين حصدوا شهرة واسعة عبر منصات العالم الافتراضي، بات يُنظر إليهم شعبيًا كمصادر إخبارية أو صحفيين، رغم عدم انتمائهم لمؤسسات إعلامية وغياب أي مرجعية مهنية أو أخلاقية تحكم أدائهم.

نقابة الصحفيين: نحمل الصحفيين أنفسهم مسؤولية أخلاقية في صون الحدود الفاصلة بين التغطية الإعلامية والعمل الإغاثي

هذا الواقع، وفقًا لأبو قمر، شطب قدرة الجمهور العادي على التمييز بين الصحفي المحترف والناشط الباحث عن التبرعات أو المتابعات، فبات الخطأ الفردي يعمم على المجموع، ويخلص إلى أن الملمح الأخطر في هذه الظاهرة يكمن في عجز المواطن عن الفرز بين من يحمل الكاميرا لتوثيق الحقيقة، ومن يحملها لأغراض تقع خارج مربع الصحافة.

من الجانب النقابي، يكشف أمين سر نقابة الصحفيين الفلسطينيين، عاهد فروانة، أن النقابة تلقت بالفعل شكاوى عديدة تتعلق بهذه الممارسات، ورغم أنه يصفها بأنها "ليست واسعة بالمعنى الكمي"، إلا أنه يقر بخطورتها وقدرتها على تسميم سمعة المهنة.

ويشدد فروانة، في حديثه لـ"نوى"، على محورية التمييز الصارم بين الصحفي المهني الملتزم بمؤسسة معترف بها ويحمل بطاقة نقابية، وبين نشطاء ومبادرين ارتدوا خلال الحرب دروعًا وخوذًا صحفية وقدموا أنفسهم كإعلاميين، مما ضاعف منسوب الإرباك في الشارع.

وفي الوقت ذاته، يُحمل الصحفيين أنفسهم مسؤولية أخلاقية في صون الحدود الفاصلة بين التغطية الإعلامية والعمل الإغاثي، محذرًا من تقديم أي وعود مادية أو خدماتية للناس لقاء الحصول على شهاداتهم أو مقابلاتهم.