صيف حارق .. خيام تلتهب ونازحون يبحثون عن ملاذ
تاريخ النشر : 2026-06-29 12:26

منذ ساعات الفجر الأولى، تبدأ سمر الحسنات يومها بمحاولة جديدة لتخفيف حرارة الخيمة التي تعيش فيها مع أطفالها. تحمل دلواً من الماء، وترش الأرض المحيطة بالخيمة، ثم تصعد على كرسي صغير لتبلل سقفها من الخارج، على أمل أن تمنح عائلتها بعض البرودة قبل اشتداد الشمس.

تقول: "كل يوم أكرر الأمر نفسه. أرش الماء حول الخيمة وفوقها، ووضعت شادراً إضافياً على السقف، لكن بعد ساعات تصبح الخيمة خانقة، وكأن الهواء توقف عن الدخول إليها".

قبل أشهر، تعرضت سمر لحادث أثناء توجهها إلى السوق، بعدما سقطت من عجلة ملحقة بسيارة. أصيبت بكسر معقد في ساقها، واضطر الأطباء إلى تثبيتها بصفائح معدنية. ورغم مرور الوقت، ما زالت تعاني آلام الإصابة، فيما يزيد الحر من صعوبة حركتها ويفاقم من معاناتها، خاصة مع مسؤولية رعاية أطفالها.

تشرح: "لدي طفلة لم تكمل عامها الثاني، وإخوتها أكبر منها بسنوات. جميعهم يعانون مع ارتفاع الحرارة، ولا أستطيع أن أوفر لهم مكاناً سوى هذه الخيمة".

ما إن تشرق الشمس حتى تبدأ حرارة الخيمة بالارتفاع سريعاً؛ يحتفظ القماش بالحرارة داخل المكان، فيما يغيب أي مصدر للكهرباء أو التهوية، فتغدو ساعات النهار طويلة وثقيلة على من يعيشون بين جدرانها.

في مخيمات النزوح المنتشرة في قطاع غزة، تقضي آلاف العائلات صيفها داخل خيام لا توفر سوى الحد الأدنى من الستر، بينما تزداد المعاناة مع ارتفاع درجات الحرارة، وشح المياه، وانقطاع الكهرباء، وغياب وسائل التبريد.

في مخيم مجاور، تحاول هالة ياسر تهدئة رضيعتها التي لم يتجاوز عمرها ثمانية أشهر. تحملها بين ذراعيها، وتلوح فوقها بقطعة من الكرتون بعدما عجزت عن إسكاتها.

تقول: "لا تنام إلا دقائق قليلة، ثم تستيقظ باكية من شدة الحر. أبلل جسدها بالماء وأحاول تهويتها، لكن لا شيء يخفف عنها. ألجأ في كثير من الأوقات إلى وضعها داخل حوض صغير مملوء بالماء؛ تستعيد خلاله بعض حيويتها لفترة وجيزة".

وتوضح أن أصعب ساعات اليوم تبدأ بعد الظهر، حين تمتلئ الخيمة بالهواء الساخن، فلا يستطيع الأطفال النوم أو اللعب، ويقضون ساعات طويلة في البكاء أو التقلب فوق الأغطية الساخنة.

ولا يقتصر الأمر على الرضع. فالأطفال الأكبر سناً يقضون معظم النهار خارج الخيام بحثاً عن ظل أو مكان أقل حرارة، حتى لو اضطروا إلى الجلوس فوق الرمال. ومع استمرار الحر، تزداد حالات الطفح الجلدي والجفاف والإجهاد، بينما يصبح الحصول على كوب ماء بارد أمنية يصعب تحقيقها في واقع غزة البائس.

تقول أم حسن: "في ساعات الظهيرة نبحث عن أي مشروب بارد؛ ما إن نسمع بائع العصير المثلج حتى يهرع إليه ابني. نضع الكيس على وجوهنا دقائق نستمد منه ما نستطيع من برودة قبل أن نشرب. لكننا لا نستطيع كل يوم شراء الأكياس المثلجة، فالميزانية لا تسمح بذلك. نحاول التبريد بالماء، غير أن حرارته هي الأخرى لا تطاق. لذا باتت حيلتي أن أملأ زجاجات فارغة وأضعها في مكان معتم، لأستخدمها وقت الذروة في غسل الوجوه والأجساد. تخفف قليلاً، ثم يعود كل شيء كما كان - حرارة ورطوبة قاتلة في خيام متلاصقة خانقة".

تتحمل النساء النصيب الأكبر من أعباء الحياة اليومية داخل الخيام؛ فإعداد الطعام، وغسل الملابس، وجلب المياه، ورعاية الأطفال، كلها أعمال تُنجز في ظروف قاسية، ما يضاعف الإرهاق الجسدي والنفسي. وهو ما تؤكده أم حسن: "الأطفال لا يستطيعون النوم في الليل، من الحر تارة ومن الحشرات تارة أخرى، ولا أجد أمامي سوى أن أهوّيهم بقطعة من الكرتون حتى يناموا"، أما عن الطبخ على الحطب فحدث ولا حرج، أموت حرفياً خلال تسوية الطعام، ولا نملك رفاهية الطبخ على الغاز  الذي يصلنا مرة كل ثلاثة أشهر".

ولا تختلف معاناة كبار السن كثيراً. يجلس أبو هاني مطاوع، وهو في السبعين من عمره، معظم ساعات النهار واضعاً قطعة قماش مبللة فوق رأسه. يعاني الرجل من ارتفاع ضغط الدم ومرض في القلب، ويقول إن البقاء داخل الخيمة يرهقه، بينما يزيد الخروج تحت أشعة الشمس من شعوره بالدوخة والإجهاد.

"كنت أقضي ساعات الصباح أمام الخيمة التي أقمتها بجانب ركام منزلي، لكن مع اشتداد الحرارة أصبح ذلك مستحيلاً". لا ينسى الرجل حديقته التي كانت مليئة بالأشجار المثمرة يستظل بها مع عائلته. "كل ذلك ذهب، وبقينا نحارب حرارة الخيمة وخيبتنا"، يقول.

وفي تصريح صحفي، حذّر المتحدث باسم الدفاع المدني في قطاع غزة محمود بصل من تداعيات موجة الحر، مؤكداً أن الأطفال وكبار السن والمرضى هم الأكثر عرضة للإجهاد الحراري وضربات الشمس في ظل الظروف التي يعيشها النازحون داخل الخيام.

ودعا بصل إلى تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس خلال ساعات الذروة، والإكثار من شرب المياه، وتهوية أماكن الإقامة قدر الإمكان، مع مراقبة أي أعراض صحية قد تظهر نتيجة ارتفاع درجات الحرارة. كما نبّه إلى ارتفاع خطر اندلاع الحرائق داخل مخيمات النزوح نتيجة استخدام وسائل طهي بدائية ووجود مواد سريعة الاشتعال، مطالباً بعدم إشعال النيران بالقرب من الخيام أو تخزين الوقود داخلها.