قطاع غزة:
"كنا مفكرين يومين وبنرجع... مرّ العمر كله ولسه ما رجعنا.". لا تقول الحاجة فاطمة أبو سعدة (85 عامًا) هذه الجملة بوصفها ذكرى، بل كأنها حدث وقع هذا الصباح، تتوقف قليلًا، تضم كفيها المتجعدتين إلى بعضهما، ثم تضيف: "اللجوء قهر.. عشته وأنا بنت صغيرة، وعدت لأعيشه مجددًا وأنا عجوز".
في السابعة من عمرها خرجت من قرية سمسم، جنوب فلسطين، مع والديها وخمس شقيقات، حملوا البطانيات وكواشين الأرض، وساروا بين البيارات هربًا من الاستهداف الإسرائيلي، وكانت العائلة تتناوب على حمار يحمل الأطفال حين تتعب أقدامهم، قبل أن يناموا على القش في طريقهم إلى غزة.
تبتسم حين تتذكر القرية، ثم تخفت ابتسامتها سريعًا قائلة: "سمسم كانت ريحتها غير.. قمحها، وحمضياتها، وأرضها. كنا نأكل منها ونوزع على الجيران. طلعنا وإحنا مفكرين إنها غيبة يومين".
في العشرين من حزيران/يونيو، يحيي العالم يوم اللاجئ العالمي، بينما يعيش الفلسطينيون أطول قضية لجوء عرفها العصر الحديث
امتد الغياب عقودًا، أصبحت العائلة لاجئة في مخيم جباليا، ثم نزحت إلى الأردن، قبل أن تعود إلى قطاع غزة، وهناك، بعد أكثر من سبعين عامًا، وجدت فاطمة نفسها تحمل صفة جديدة قديمة في آن واحد: "نازحة" من جديد.
مع اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية في السابع من أكتوبر عام 2023، خرجت من منزلها في مخيم جباليا، متنقلة بين بيت لاهيا ومدينة غزة ثم جنوب القطاع، قبل أن تستقر في خيمة بمواصي خانيونس.
تتحدث وهي تضع يدها على صدرها: "لجوء النكبة كان أهون. حينها وجدنا خيامًا وكابونة طحين وتكية، أما اليوم، فلا طحين ولا خيمة ولا مكان آمن. كل ما نوصل مكان، نرجع نتركه".
في العشرين من حزيران/يونيو، يحيي العالم يوم اللاجئ العالمي، بينما يعيش الفلسطينيون أطول قضية لجوء عرفها العصر الحديث، وبالنسبة للحاجة فاطمة، لا يبدو اللجوء حدثًا من الماضي، وإنما حياة تتكرر كلما تبدلت خرائط الحرب.

رزان بكرون (22 عامًا) كانت تسمع حكايات جدها عن تهجيره من بئر السبع، لكنها لم تتخيل أنها ستعيش القصة نفسها، تخبرنا: "طلعت من البيت ومعي حقيبة ظهر بمستلزمات أساسية، لكن ما كان فيها كتب الجامعة ولا ملابسي، كنت كل مرة أجهزها على أمل نرجع، وكل مرة كنا نمشي إلى مكان جديد".
أكثر ما بقي في ذاكرتها ليس صوت الطائرات، بل وجوه الناس على الطرقات، وتردف: "كنت أشوف الأمهات حاملات أطفالهن، وكبار السن يمشوا بصعوبة، والناس شايلة اللي قدرت تنقذه من بيوتها".
ومن أقسى المشاهد التي لن تنساها الشابة كانت للأطفال العائدين من التكية بأواني فارغة، إذ شعرت حينها أن اللجوء ليس فقط أن يخسر الإنسان منزله، بل أن يخسر شعوره بالحياة الطبيعية -حسب تعبيرها-.
ووفق تقديرات الأمم المتحدة، اضطر نحو 90% من سكان قطاع غزة إلى النزوح خلال الحرب، وكثير منهم نزحوا مرات متكررة، بعضهم من المخيمات التي لجأ إليها آباؤهم وأجدادهم بعد نكبة عام 1948.
وفق تقديرات الأمم المتحدة، اضطر نحو 90% من سكان قطاع غزة إلى النزوح خلال الحرب، وكثير منهم نزحوا مرات متكررة
ويرى رئيس الهيئة الدولية لدعم حقوق الشعب الفلسطيني "حشد"، الدكتور صلاح عبد العاطي، أن ما شهده القطاع يمثل شكلًا غير مسبوق من اللجوء؛ إذ تحول اللاجئون الفلسطينيون أنفسهم إلى نازحين داخل المخيمات التي كانت شاهدًا على لجوئهم الأول.
ويشير إلى أن مخيمات جباليا والشاطئ والنصيرات والبريج والمغازي وخان يونس ورفح تعرضت للتدمير والتهجير، لتجد آلاف العائلات نفسها تعيش النكبة مرة ثانية وثالثة ورابعة.
أما بالنسبة إلى خصوصية الحالة الفلسطينية بحسب عبد العاطي، فتكمن في أن اللاجئ لم يعد فقط محرومًا من العودة إلى قريته الأصلية، بل بات مهددًا بالاقتلاع المتكرر داخل وطنه، مؤكدًا أن حماية اللاجئين والحفاظ على ولاية الأونروا وإنهاء الاحتلال تبقى المدخل الأساسي لإنهاء هذه المأساة.
وبالعودة إلى الحاجة فاطمة، فلا تتحدث عن قرارات دولية ولا عن تعريفات اللجوء، كل ما تريده أن تتوقف الرحلة التي بدأت وهي طفلة، تنظر إلى يديها طويلًا، ثم تختم: "طلعنا من سمسم وإحنا مفكرين راجعين بعد يومين.. واليوم، بعد كل هذا العمر، صرنا نخاف نطلع من بيت في غزة، لأنه يمكن ما نرجعله كمان".
