قطاع غزة:
يستيقظ الطفل عبد الحميد ناصر كل صباح، يربط حذاءه الممزق، ينظر إلى حقيبته المدرسية الثقيلة بخوف، ثم يتراجع إلى زاوية الخيمة رافضًا الخطوة الأولى.
ولا ينبع خوف عبد الحميد من قسوة المنهج، بل من تلك النقطة الأمنية التابعة للشرطة المحلية بمدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة والتي يتوجب عليه عبورها للوصول إلى "النقطة التعليمية".
في المفاهيم العادية للبلاد المستقرة، وجود الشرطة يبعث على الأمان، لكن في غزة ينقلب المنطق رأسًا على عقب؛ فالشرطة التي تحاول حفظ الأمن وتنظيم الفوضى وسط الركام، غدت هدفًا دائمًا للمقاتلات الإسرائيلية، وهي التي لا تستطيع حماية نفسها من الاستهداف، فكيف لها أن تحمي طفلًا يمر بجانبها يحمل دفترًا وقلمًا؟
الشرطة التي تحاول حفظ الأمن وتنظيم الفوضى وسط الركام، غدت هدفًا دائمًا للمقاتلات الإسرائيلية
يتلفت عبد الحميد حوله مدركًا أن العبور من هناك هو سير طوعي نحو حتف محتمل، حيث يمكن لغارة مباغتة أن تحيل المارة والنقطة الأمنية والمارين بها إلى هباء منثور.
تقول أمه إنه في كل مرّة يتراجع فيها عن الذهاب لدروسه، لا تجبره على الأمر، لأنها لا تضمن الظروف، فالطائرات تقصف وخوف صغيرها نابع من تجارب شاهدها بأم عينه فتسبّبت له بكوابيس وذعر يومي.
وتضيف: "نسلك طريقًا آخر ونتابع فيها الدروس عن طريق الإنترنت رغم أن النقطة التعليمية أهم للفهم والاستيعاب".
"تخيلي لو رحت ووصلك خبر أنني أصبت برصاصة وقتلت وأنا في الخيمة التعليمية".. جملة ثانية ضربت مسامع نبيلة عابد وهي تجهز طفلتها أميرة للذهاب إلى دروسها.
تخبرنا: "شعرت أن بيني وبين فقدها خطوة واحدة، لا أستغرب من تفكير صغيرتي خاصة بعد تكرار حوادث القتل والاستهداف التي طالت الخيام التعليمية، لكن وقع الأمر كان ثقيلًا على قلبي".
في الحقيقة، لم يعد الخوف في القطاع نابعًا من صعوبة المناهج أو صرامة المعلمين، بل من سماء لا تكف عن إمطار الموت، وأرض يتربص في أزقتها الرصاص، يتكدس الأطفال في خيام تعليمية استحدثتها مبادرات تطوعية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من جيل كامل يهدده الجهل.
لكن هذه الخيام، المصنوعة من النايلون والقماش الخفيف، لا تملك جدرانًا تصد الشظايا، ولا سقفًا يحجب رؤية الطائرات المسيّرة التي تحوم كغربان إلكترونية فوق الرؤوس.
تؤكد نبيلة أن المخاوف هنا ليست هواجس طفولية مبالغًا فيها؛ بل هي حقائق معمدة بالدم والشهادات الحية، فالتاريخ القريب لخيام التعليم في القطاع يفيض بالفواجع التي تجعل من التردد خطة بديلة للحياة.
في صباح التاسع من نيسان/أبريل 2026، ودّعت الطفلة ريتاج ريحان من شمالي غزة، والدتها بوعدٍ مبتور: "حين أعود سنتناول الطعام معًا"، مضت بخفة نحو خيمتها التعليمية، جلست في صفها، وانحنت تصوّب سطرًا في دفترها.
لم يمهلها الوقت؛ إذ قطعت رصاصات "الكواد كابتر" الإسرائيلية هدوء الحصة، واخترقت ثلاث طلقات جسدها الصغير، لـتُقتل ريتاج أمام أعين زميلاتها ويبقى دفترها شاهدًا على درسٍ غزيٍّ لم يكتمل، في واحدة من أكثر المجازر قسوة، تحولت "الخيمة التعليمية" إلى مسرح لجريمة مكتملة الأركان.
في صباح التاسع من نيسان/أبريل 2026، قتلت إسرائيل الطفلة ريتاج ريحان من شمالي غزة في خيمتها التعليمية
اختلط الحبر بالدم، وتناثرت كراسات الرسم التي كانت توثق أحلام الصغار، ليغطيها دم ريتاج أمام زميلاتها وزملائها، غادروا دون أن يكملوا الدرس، ودون أن يفهموا لمَ يُطلق الرصاص على طفل يمسك قلمًا.
هذه الحادثة، وغيرها الكثير، زرعت في قلوب الأطفال وعائلاتهم رعبًا مزمنًا، أصبحت الأمهات يفضلن أن يكبر أبناؤهن "أميين" على أن يستقبلوهم في أكياس أشلاء، "ما فائدة التعليم إذا كان الثمن هو حياته؟"، تتساءل أمٌّ وهي تكبح جماح طفلها الذي يحاول الخروج إلى نقطة تعليمية مجاورة، تفصلها عن خيمتهم بضعة أمتار خطيرة.
تحت غطاء هذا الخوف، ينمو جيل يبحث عن النجاة والعلم، الأطفال الذين يخشون الذهاب إلى خيام الدراسة، لا يهربون من التعليم، بل يهربون من القتل العشوائي، يتلصصون على الحروف من شقوق خيامهم، ويستمعون إلى أصوات المعلمين من بعيد، مدركين أن المسافة بين المعرفة والموت في غزة، باتت بحجم رصاصة طائشة أو شظية تخترق قماش الخيمة الضعيف.
