في ساعة متأخرة من الليل، حين ينام الأطفال وتخلو البيوت من الضجيج، تجلس وحدها في مطبخ صغير تعجن وتطبخ وتُعدّ الحلويات التي ستبيعها في الغد. لا يعلم زوجها. لو علم، لكان ذلك كافياً لإشعال نوبة غضب جديدة في بيت لم يعرف الهدوء منذ زمن. هي لا تعمل لتحقيق طموح أو استقلالية، بل لأن أطفالها يحتاجون إلى الأكل، ولأن راتبه ذهب كله، كما ذهب قبله كثير من الأشياء، إلى الإدمان.
لا تعرف أي نسخة منه ستواجه؛ أهو الرجل الهادئ أم الغاضب الذي تتهاوى أمامه الجدران
حين يعود إلى البيت، لا تعرف أي نسخة منه ستواجه؛ أهو الرجل الهادئ أم الغاضب الذي تتهاوى أمامه الجدران. تحمل الأطفال بعيوناً تراقب الباب، وتتعلم بمرور الوقت كيف تقرأ خطواته قبل أن يدخل، وكيف تُبعد الصغار عن طريقه قبل أن تشتعل الأمور. هذه المرأة واحدة من حالات ترويها الباحثة الاجتماعية في شبكة حماية الأسرة بيان الخطيب، التي ترصد يومياً كيف تتحول الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى وقود للعنف داخل البيوت الفلسطينية.
يتخذ العنف أشكالاً متعددة تشمل التهديد والسيطرة والإهانة والإكراه الجنسي والحرمان المالي وعزل المرأة عن محيطها الاجتماعي
تشرح الخطيب أن العنف الأسري لا يقتصر على الاعتداء الجسدي، بل يتخذ أشكالاً متعددة تشمل التهديد والسيطرة والإهانة والإكراه الجنسي والحرمان المالي وعزل المرأة عن محيطها الاجتماعي، وأن سنوات الخوف وعدم اليقين تركت على تلك المرأة آثاراً نفسية تمثّلت في قلق مزمن ونوبات هلع وفقدان الإحساس بالأمان، قبل أن يساعدها الدعم النفسي والاجتماعي على استعادة قدر من التوازن.
تعرّضت 58.2% من النساء المتزوجات في فلسطين للعنف مرة واحدة على الأقل من أزواجهن، فيما كان العنف النفسي الأكثر شيوعاً بنسبة 57.2%، يليه الجسدي بنسبة 18.5%، ثم الجنسي بنسبة 9.4%
وفق بيان جهاز الإحصاء الفلسطيني الصادر في آذار 2022، تعرّضت 58.2% من النساء المتزوجات في فلسطين للعنف مرة واحدة على الأقل من أزواجهن، فيما كان العنف النفسي الأكثر شيوعاً بنسبة 57.2%، يليه الجسدي بنسبة 18.5%، ثم الجنسي بنسبة 9.4%، وذلك خلال الاثني عشر شهراً السابقة لمسح عام 2019.
السيدة أ. ج (35 عاماً)، أم لثلاثة أطفال من إحدى مدن شمال الضفة الغربية، تصف كيف تحوّل زوجها الذي لم يكن عنيفاً في بداية زواجهما إثر الضغوط الاقتصادية وفقدانه عمله. تقول بصوت يحمل إرهاق سنوات: "أصبح سريع الغضب، خلافات بسيطة تتحول إلى صراخ وإهانات، والضغوط التي يواجهها خارج المنزل يعود بها إلى البيت".
وتضيف أن أكثر ما يؤلمها هو أثر ذلك على أطفالها؛ فأصغرهم بات يعاني تأتأة في الكلام ويهرب للاختباء تحت السرير عند كل نوبة غضب، فيما أخذ الأكبر يقلّد والده في العدوانية تجاه إخوته. وتعترف أنها آثرت الصمت طويلاً خوفاً من تفكك الأسرة ونظرة المجتمع، غير أنها تقول: "أدركت مع الوقت أن الصمت لا يحل المشكلة، وأن آثار العنف تبقى حاضرة في نفوس الأبناء حتى عندما يبكون بصمت ويتجنبون الحديث عنها".
في المقابل، لا يعدّ أبو أحمد، الموظف الحكومي وأب الأربعة أبناء، نفسه عنيفاً، بل يرى في القسوة جزءاً من التربية وصوناً لهيبة الأسرة. يقول إن الضغوط المالية جعلته أكثر توتراً فيلجأ أحياناً إلى الصراخ والقسوة في عقاب أبنائه، مستنداً إلى أساليب التربية التي نشأ عليها. ويضيف أنه يشعر بالندم لاحقاً، لكنه يقنع نفسه بأن أبناءه سيدركون مستقبلاً أن ما فعله كان بدافع الحرص عليهم، ثم يحاول احتواء الموقف بالتقرب منهم لإعادة الهدوء إلى البيت.
يتجلّى العنف في الصراخ والإهانة والترهيب والرقابة المفرطة داخل كثير من الأسر، وإن الضغوط السياسية والاقتصادية والنفسية حوّلت التوتر إلى سمة يومية تدفع الأطفال إلى تعلّم الخوف بدلاً من الحوار،
تقول الأخصائية النفسية هيا راضي إن العنف لم يعد يقتصر على الإيذاء الجسدي، بل يتجلّى في الصراخ والإهانة والترهيب والرقابة المفرطة داخل كثير من الأسر، وإن الضغوط السياسية والاقتصادية والنفسية حوّلت التوتر إلى سمة يومية تدفع الأطفال إلى تعلّم الخوف بدلاً من الحوار، فيما تلتزم كثير من النساء الصمت خوفاً من الوصمة أو حفاظاً على الأسرة. وتؤكد أن البيوت الفلسطينية باتت مرآةً للأزمات المتفاقمة، إذ ينعكس تصاعد الخوف والإحباط وتراجع شبكات الحماية مباشرةً على العلاقات الأسرية.
العجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية يزيد حدة التوتر داخل المنزل، فتتراجع لغة الحوار لتحل محلها مشاعر اللوم والعنف التي قد تنتهي بالانفصال أو الطلاق.
وتشير الباحثة الاجتماعية ناريمان الخطيب إلى أن الاقتحامات والاعتقالات والبطالة وتدهور الأوضاع المعيشية تغذّي العنف الأسري بصورة غير مباشرة، إذ تنعكس حالة الخوف والضغط المستمر على أفراد الأسرة بالقلق وفقدان الأمان، بينما تظهر آثارها على الأطفال في سلوكيات عدوانية واضطرابات نفسية متنوعة. وتضيف أن العجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية يزيد حدة التوتر داخل المنزل، فتتراجع لغة الحوار لتحل محلها مشاعر اللوم والعنف التي قد تنتهي بالانفصال أو الطلاق.
الأطفال لا يقفون على هامش العنف الموجّه ضد النساء، بل يتحوّلون إلى ضحايا مباشرين له حتى وإن لم يتعرّضوا للاعتداء شخصياً،
أما رئيسة وحدة المرأة والنوع الاجتماعي في وزارة التنمية الاجتماعية هبة الجيبات، فتؤكد أن الأطفال لا يقفون على هامش العنف الموجّه ضد النساء، بل يتحوّلون إلى ضحايا مباشرين له حتى وإن لم يتعرّضوا للاعتداء شخصياً، مشيرةً إلى أنهم غالباً ما يعانون اضطرابات نفسية تتمثل في القلق والاكتئاب وتراجع الثقة بالنفس، فضلاً عن مشكلات سلوكية تتراوح بين العدوانية والانطواء وصعوبات في التركيز والتعلم. وتحذر من أن استمرار العنف داخل الأسرة يزيد خطر إعادة إنتاج أنماطه في الأجيال القادمة، ما يجعل آثاره تتجاوز الضحية المباشرة لتطال المجتمع بأسره. وتشير الجيبات أيضاً إلى أن عنف الاحتلال ضد المرأة، بما يشمل الاحتجاز القسري والتنكيل على الحواجز والتحرش اللفظي والجسدي، يُضاف إلى أعباء العنف الأسري ويفاقمه.
وتبيّن تقارير الأمم المتحدة أن العنف ضد المرأة في الضفة وغزة يأخذ أبعاداً مركّبة، إذ يتقاطع العنف المبني على النوع الاجتماعي في النطاق الأسري مع العنف الناتج عن الاحتلال والحروب والنزوح المستمر، ما يرفع معدلات العنف الأسري ويُضيّق الخيارات المتاحة أمام النساء.
في مجتمع تتلاحق أزماته ولا تهدأ، باتت البيوت الفلسطينية تشبه أجهزة إنذار مبكر تكشف ما يتراكم تحت السطح. وتلك المرأة التي تعجن الحلوى في الليل وتخفي دخلها وتحصي خطوات زوجها قبل أن يدخل الباب، ليست استثناءً، بل هي وجه من وجوه أزمة أوسع لن تحلّها الجدران، ولن يخفيها الصمت.
