أمهات من غزة ينسجن من الألم قصة ومن الغائبين دمى
تاريخ النشر : 2026-06-25 13:26

في إحدى زوايا قاعة متواضعة في مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، تنشغل ياسمين صالح بتشكيل وجه يجسد شخصية لا تزال حاضرة في ذاكرتها.

ياسمين إحدى المشاركات في مشروع "قصتي"، الذي يستهدف الأمهات وأطفالهن عبر سلسلة جلسات تتيح لهم التعبير عن مشاعرهم وتجاربهم  لم تسنح لهم الظروف للتعبير عنها أو روايتها في خضم الضغوط الحياتية المتواصلة والبحث المستمر عن الأساسيات في حياة الخيام.وتحويلها إلى نصوص وعروض مسرحية.

تقول ياسمين إن هذه الورش منحتها وأطفالها فرصة للخروج، ولو مؤقتاً، من إيقاع الحياة القاسي. تضيف: "تعلمنا أن نصنع شيئاً من لا شيء، في وقت أصبحت حياتنا قائمة على اللهث خلف حاجاتنا الأساسية من ماء وغذاء، لكن هنا وجدنا مساحة مختلفة".

تدرك ياسمين أن التجربة لن تغيّر الواقع القاسي، لكنها تخفف من حدته، وتمنح الأطفال فرصة للعب والتركيز والانخراط في نشاط يعيد لهم شيئاً من طفولة تشظّت بفعل الحرب.

يقول مخرج العرائس ومدير جمعية مسرح المخيم يوسف الهندي، إن المشروع يقوم على مسار تدريجي يبدأ بجلسات هادئة توفر مساحة آمنة للكلام، قبل الانتقال إلى استحضار الشخصيات والمواقف التي تركت أثراً عميقاً في حياة النساء والأطفال خلال الحرب. يضيف: "نحاول أن نعيد النظر إلى الشخصيات العالقة في أذهانهم، ونمنحها شكلاً جديداً يجعل التعامل مع الذكريات أقل قسوة".

ويلفت الهندي إلى أن التحول من الذاكرة إلى الشكل لا يحدث بسهولة؛ فبعض القصص المرتبطة بالفقد أو النزوح تفتح تفاصيل دقيقة وحساسة، إذ يحتفظ المشاركون بروابط عاطفية قوية مع الأشخاص الذين يتحدثون عنهم، ما يجعل إعادة تمثيلهم تجربة تحتاج إلى إنصات طويل ومساحة أوسع لفهم ما لا يُقال.

المشروع، الذي انطلق ضمن برنامج تدريبي بدعم من مؤسسات دولية، يهدف إلى دمج العمل الفني بالدعم النفسي، عبر تحويل التجارب الشخصية للنساء والأطفال إلى نصوص وعروض مسرحية ودمى تحمل ملامح أصحابها. ويعتمد على أدوات التفريغ الانفعالي، إذ تبدأ المشاركات بسرد تجاربهن وما خلّفته الحرب من آثار نفسية وسلوكية واجتماعية، قبل الانتقال إلى صناعة الدمى التي تعكس الشخصيات العالقة في الذاكرة.

ويؤكد الهندي أن الهدف لا يقتصر على إنتاج عمل فني، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة بناء العلاقة مع الذكريات المؤلمة، وتحويل الصورة الذهنية المرتبطة بالخوف أو الفقد إلى صورة تحمل شيئاً من الأمل والقوة.

يوضح الهندي إلى أن بعض القصص داخل الورش ترتبط بحالات فقدان لأشخاص مقربين، ما يجعل استحضارها تجربة شديدة الحساسية؛ فكثير من النساء ما زلن يحتفظن بارتباط عاطفي عميق بأبنائهن أو أزواجهن أو أفراد من عائلاتهن ممن فقدوهم خلال الحرب، وهو ما يتطلب تعاملاً نفسياً حذراً ودقيقاً. لذلك تحرص المشاركات على استحضار أدق التفاصيل المتعلقة بالشخصيات، في محاولة للحفاظ على حضورها في الذاكرة، ما يجعل تحويلها إلى دمى مهمة تستوجب فهماً عميقاً لمشاعرهن.

يتوقع الهندي أن يتوسع نطاق المشاركة ليشمل مزيداً من الأطفال والنساء، وتُبنى العروض النهائية من قصصهم المباشرة، في محاولة لتحويل التجربة الفردية إلى مساحة سرد جماعي.

ورغم الأثر الإيجابي الذي تتركه هذه التجربة، يؤكد الهندي أن الحاجة إلى مثل هذه المبادرات ما تزال كبيرة في ظل الإقبال المتزايد من النساء والأطفال الباحثين عن مساحات للتعبير عن الذات؛ غير أن محدودية الإمكانات والتمويل تبقى العائق الأبرز أمام توسيع هذه الأنشطة والوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين.