سلالم بدائية تحل محل أدراج غزة المهدمة
تاريخ النشر : 2026-06-22 19:24

قطاع غزة:

لم يكن محمد الحايك يتخيل أن يتحول "بيت الدرج" في منزله إلى ذكرى، ذلك الركن الصغير الذي كان يختزن مؤونة العام من الطحين والسكر، وتتراكم فيه حاجيات البيت البسيطة، كان يومًا جزءًا من حياة عادية تبدو اليوم بعيدة المنال.

يقول الحايك إن "بيت الدرج" في منازل الفلسطينيين بقطاع غزة، يحمل قصصًا جديرة بأن تروى، إذ كان يحفظ أصوات الأطفال وهم يركضون صباحًا إلى مدارسهم، ويشهد عودتهم آخر النهار بحقائبهم وضحكاتهم.

ليس هنا فحسب، بل كان يودع العرائس في ليلة الزفاف، ويستقبل الأقارب والجيران والمحبين، ويراقب لعب أبناء العمومة في الممرات وبين الطوابق، مضيفًا "أما اليوم فأصبح مثل كثير من تفاصيل حياتنا التي أعدمتها الحرب".

وفق تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 92% من الوحدات السكنية في قطاع غزة تعرضت للتدمير أو الضرر خلال الحرب

يتابع الرجل: "حتى بيت الدرج الذي كان يختزن مؤونة السنة وذكريات البيت، صار ذكرى، الحرب لم تأخذ الجدران فقط، بل أخذت الحياة التي كانت تدور داخلها"

لكن المفارقة أن الدرج الذي يحن إليه الحايك لم يعد موجودًا، وحلّت مكانه سلالم بدائية وخطرة، صنعتها العائلات بأدوات بسيطة كي تتمكن من الوصول إلى ما تبقى من منازلها المتضررة.

في مبنى مصنف على أنه آيل للإزالة، يقيم الحايك مع خمس عائلات أخرى، بينهم أطفال ومسنون ومصابون بإعاقات وإصابات حرب، داخل منزل لا تتوفر فيه أدنى مقومات السلامة.

يتحدث بأن النساء والأطفال يضطرون يوميًا إلى استخدام سلالم مؤقتة للوصول إلى الطوابق العليا، مشيرًا: "الأطفال يصعدون حتى الطابق الرابع عبر سلالم غير آمنة. قبل مدة سقط شاب مع طفلته البالغة من العمر عامين أثناء الصعود ونجوا بأعجوبة".

ومما لا شكّ فيه أن، أن الرجل يعرف الخطر المحدق بهم ولا يخفي قلقه من احتمال انهيار المنزل عليهم في أي لحظة، خصوصًا مع حلول الظلام تزداد احتمالات السقوط، لكن هذا -بالنسبة لهم-، أفضل من العيش في مخيمات النزوح بين القوارض والأمراض حيث لا بدائل أمامهم.

ولا تبدو قصة الحايك استثناءً في قطاع غزة، حيث دفعت أزمة السكن الخانقة آلاف العائلات إلى العودة إلى منازل متضررة أو الإقامة داخل مبانٍ غير صالحة للسكن، بعد أن فقدت الخيام قدرتها على توفير الحد الأدنى من الحماية من الحر والرياح والأمطار.

ووفق تقديرات الأمم المتحدة، فإن نحو 92% من الوحدات السكنية في قطاع غزة تعرضت للتدمير أو الضرر خلال الحرب، بما يعادل قرابة 436 ألف منزل، فيما تعرض معظم سكان القطاع للنزوح مرة واحدة على الأقل. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية دمارًا واسعًا طال الأحياء السكنية والبنية التحتية في مختلف محافظات القطاع.

على بعد كيلومترات قليلة، تعيش أحلام عثمان التجربة ذاتها، وإن اختلفت التفاصيل، تخبرنا: "أرى الموت بأم عيني في كل لحظة أحتاج فيها للنزول من المنزل أو الصعود إليه"، واصفةً واقعًا يوميًا تعيشه مع أفراد أسرتها داخل منزل متضرر غربي مدينة غزة.

تعرض معظم سكان القطاع للنزوح مرة واحدة على الأقل

ومنذ أن دفعتها الحرب إلى النزوح من منزلها، تنقلت بين مراكز الإيواء والخيام، قبل أن تجد نفسها مضطرة للعودة إلى مبنى متصدع تضررت أجزاء واسعة منه، ورغم الشقوق التي تملأ الجدران والسلالم المتهالكة التي تربط الطوابق، لم يكن أمام العائلة خيار آخر.

وتوضح: "لدي ثلاثة أطفال، يصعدون وينزلون عبر سلم بدائي استصلحناه ووصلناه بالطابق الثاني حيث نسكن. هذا ملاذنا الوحيد في ظل غياب أي بديل سكني".

تؤكد أحلام أن الخوف لم يعد يقتصر على القصف، بل أصبح يرافق أدق تفاصيل الحياة اليومية، فكل مرة يغادر فيها أحد أفراد الأسرة المنزل أو يعود إليه، تشعر أن خطوة واحدة خاطئة قد تنهي حياته.

ورغم إدراكها أن المبنى قد ينهار في أي وقت، ترى أن البقاء فيه أقل قسوة من العودة إلى الخيام التي لم تعد قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية أو الكرامة الإنسانية، في ظل الاكتظاظ وارتفاع درجات الحرارة وتآكل معظمها بفعل الاستخدام الطويل.