قبل الحرب، كانت روان (30 عامًا) تعيش مع مرض الروماتويد بقدر من الاستقرار، بفضل الأدوية والحقن التي كانت تتلقاها بانتظام، ما مكنها من الحركة وممارسة حياتها اليومية رغم الألم. لكن مع استمرار الحرب وتفاقم أزمة الدواء في قطاع غزة، تحولت حالتها إلى نموذج لمعاناة آلاف المرضى الذين يواجهون نقصًا حادًا في الأدوية وارتفاعًا غير مسبوق في أسعارها.
يقول والد روان إن ابنته كانت تتلقى علاجها مجانًا من وزارة الصحة، "لكن بعد الحرب أصبح العلاج شبه مفقود، وإذا توفر يكون بأسعار خيالية لا قدرة لنا على تحملها، فنضطر للبحث عن بدائل أو شرائه من أشخاص يطلبون مبالغ كبيرة جدًا".
ويضيف أن حالتها الصحية تدهورت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة نتيجة انقطاع العلاج، حيث بدأت تعاني من تقوس في اليدين وصعوبة في الحركة وعدم القدرة على المشي لمسافات طويلة أو صعود الدرج، إضافة إلى آلام شديدة لا تفلح المسكنات في تخفيفها. ويقول: "من شدة الوجع أحيانًا نضطر إلى ربط ساقيها لتخفيف الألم قليلاً، كل يوم يمر من دون علاج يعني مزيدًا من الألم".
ويشير إلى أن ابنته لم تعد قادرة على تحمل ظروف النزوح والعيش في الخيام، ما اضطره إلى استئجار منزل رغم الظروف الاقتصادية الصعبة، حفاظًا على صحتها ومنعًا لتفاقم معاناتها، لافتًا أن الألم المستمر والعجز عن توفير العلاج تركا آثارًا نفسية قاسية عليها.
وفي جانب آخر من المشهد، يسترجع المسن أبو محمد عفانة أيام ما قبل الحرب، حين كان قادرًا على الحصول على أدويته بانتظام رغم معاناته من أمراض مزمنة، بعد خضوعه لعملية قلب مفتوح وإصابته بمرض السكري، ويقول إن حياته كانت أكثر استقرارًا عندما كانت الأدوية متوفرة وأسعارها في متناول اليد.
ويوضح أن العديد من الأدوية التي يعتمد عليها أصبحت اليوم شبه مفقودة أو تُباع بأسعار تفوق قدرته على الشراء، مشيرًا إلى أنه كان يفضل الأدوية المستوردة لفعاليتها في حالته الصحية.
ويقول: "دواء القلب (فورسيجا) كان سعره قبل الحرب نحو 40 شيكلاً، أما اليوم فوصل إلى 75 شيكلاً، ودواء السكري (يوكرياس) كان بـ150 شيكلاً، بينما أصبح سعر الشريط الواحد 160 شيكلاً".
ويضيف: "تعبت أسرتي من البحث عن الأدوية، أرسلت أولادي إلى صيدليات كثيرة حتى في جنوب القطاع، لكنهم كانوا يعودون خاليي الوفاض"، متسائلًا: "لم أعد أعرف أيهما أقسى؛ المرض أم الجوع؟ كنا محاصرين بينما أحاول فقط أن أجد دوائي لأبقى على قيد الحياة".
أما أحمد (اسم مستعار) يعاني من إعاقة حركية تسببت له بظهور تقرحات مزمنة في جسده، وخلال السنوات الماضية، كان يتلقى رعاية طبية منتظمة ساهمت في استقرار حالته، إلا أن الظروف الحالية أدت إلى تدهور واضح في وضعه الصحي.
ويقول أحمد إن التقرحات عادت لتتفاقم، وبات بحاجة إلى مراهم وأدوية خاصة غير متوفرة في قطاع غزة، موضحًا أنه بحث عنها في العديد من الصيدليات دون جدوى، وإن توفرت تكون بأسعار مرتفعة أو منتهية الصلاحية.
ويضيف أنه اضطر لاستخدام "تحاميل مُلينة" منتهية الصلاحية بعد عجزه عن إيجاد بدائل مناسبة، في ظل تدهور حالته الصحية، مشيرًا إلى أن أسعار بعض الأدوية ارتفعت من شيكلين قبل الحرب إلى أكثر من خمسة شواكل، فيما ارتفعت أسعار المسكنات الأساسية التي كانت تُصرف مجانًا مثل الأكامول والتروفين إلى نحو 10 شواكل للعلبة.
ويؤكد أن بعض الصيدليات استغلت الظروف الراهنة لرفع الأسعار بشكل كبير، وأن أدوية كان يحصل عليها سابقًا مجانًا أو بأسعار رمزية أصبحت اليوم خارج قدرته المالية.
وفي تصريح سابق، قال مدير الرعاية الصيدلانية في وزارة الصحة الدكتور علاء حلس إن أكثر من 50% من قائمة الأدوية الأساسية غير متوفرة، فيما تجاوزت نسبة العجز في المستهلكات الطبية 60%، ما انعكس بشكل مباشر على الخدمات الصحية داخل المستشفيات.
من جانبه، يوضح د. ذو الفقار سويرجو، مالك صيدلية، أن أزمة الأدوية في قطاع غزة أزمة مركبة ترتبط بالوضع الصحي العام والانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية نتيجة الحرب، ما أثر على قدرة المرضى في الحصول على العلاج.
ويشير إلى أن نقص الأدوية، خاصة أدوية الأمراض المزمنة والهرمونات التي تحتاج إلى تبريد وظروف تخزين خاصة، تفاقم بسبب انقطاع الكهرباء وتراجع الإمكانيات.
ويضيف أن هذا الشح أدى إلى ارتفاع الأسعار إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب، ومع نقص الإمدادات في المرافق الحكومية، اضطر المرضى للتوجه إلى الصيدليات الخاصة، ما زاد الطلب ورفع الأسعار بشكل أكبر.
ولا تقتصر معاناة المرضى على ارتفاع الأسعار فقط، بل تمتد إلى صعوبة الوصول إلى الأطباء والخدمات الصحية، حيث يجد كثيرون أنفسهم أمام وصفات طبية بلا أدوية متوفرة أو بأسعار تفوق قدرتهم على الشراء.
