قطاع غزة:
داخل أروقة مستشفى الرنتيسي، تجلس والدة الطفلة آلاء عبد الكريم قلجة وهي تتشبث بخيط رفيع من الأمل، تراقب طفلتها التي أنهكها المرض، وتروي قصة معاناة بدأت بتضخم في القلب والتهابات حادة، وانتهت بانتظار طويل لعملية جراحية عاجلة قد تنقذ حياتها.
تقول الأم لـ"نوى" إن آلاء حصلت بالفعل على تحويلة طبية للعلاج خارج قطاع غزة، إلا أن السماح لها بالسفر لم يصدر بعد، لتبقى العائلة عالقة بين الوعود والانتظار، فيما تتدهور حالة الطفلة يومًا بعد آخر.
ولا تقتصر معاناة الطفلة على تأخر السفر، إذ تحتاج بشكل دائم إلى أدوية أساسية، بينها "لازكس" وأدوية أخرى تساعد على استقرار حالتها الصحية، لكن النقص المتكرر داخل المستشفيات يجعل رحلة العلاج أكثر قسوة، ويضاعف مخاوف الأسرة من أي تدهور مفاجئ.
أكثر من 15800 مريض في حالات حرجة بحاجة إلى رعاية طبية متخصصة وعاجلة لا يمكن توفيرها داخل غزة
وفي زاوية أخرى من المستشفى، يعيش والد الطفلة رنا محمد المبحوح القلق ذاته، فمنذ نحو عامين تنتظر ابنته، التي تعاني من مرض في القلب، فرصة للخروج من القطاع لتلقي العلاج الذي تحتاجه.
يتحدث والدها بأن الأطباء شددوا مرارًا على ضرورة إجراء العملية الجراحية دون تأخير، محذرين من أن استمرار الانتظار قد يترك آثارًا خطيرة على صحتها، وبينما تزداد المخاطر مع مرور الوقت، لا تزال الأسرة تترقب فتح الطريق أمام رحلة علاج قد تكون الفرصة الأخيرة لإنقاذها.
ويناشد الأب الجهات المعنية بتوفير الأدوية اللازمة بصورة منتظمة، وتسريع إجراءات تحويل ابنته للعلاج خارج القطاع قبل فوات الأوان.
من جانبه، يؤكد الطبيب محمد حلس، استشاري أمراض القلب الخلقية في مستشفى الرنتيسي، أن القسم الذي يعمل فيه يُعد الوحيد في شمال قطاع غزة المتخصص في تشخيص وعلاج الأطفال المصابين بتشوهات القلب الخلقية.
ويشير إلى أن القسم تعرض خلال حرب الإبادة الإسرائيلية للتدمير أكثر من مرة، ما أدى إلى تعطيل خدماته لفترات طويلة، كما تضررت وحدات القسطرة وتوقفت عمليات جراحة القلب في مستشفيات القطاع، ورغم ذلك، واصلت الطواقم الطبية جهودها لإعادة تشغيل الخدمات وتقديم الرعاية للأطفال المرضى في ظل ظروف استثنائية.
ويضيف حلس أن القوانين والمواثيق الدولية، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف، تكفل حق المرضى في الحصول على العلاج والرعاية الصحية أثناء النزاعات المسلحة، إلا أن آلاف المرضى في قطاع غزة حُرموا من هذا الحق نتيجة القيود المفروضة على السفر والعلاج، فيما لم يتمكن سوى عدد محدود من مغادرة القطاع لتلقي الرعاية الطبية.
ويحمّل الاحتلال مسؤولية تفاقم الأزمة الصحية، موضحًا أن القيود المفروضة على إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية تحرم المرضى من علاجات ضرورية تساعد على إبقاء حالاتهم مستقرة إلى حين إجراء التدخلات الجراحية المطلوبة.
ويحذر من أن أمراض القلب الخلقية تُعد من أخطر الأمراض التي تهدد حياة الأطفال، وأن توقف خدمات جراحة القلب والقسطرة، إلى جانب إغلاق المعابر ومنع إدخال الأدوية والمعدات الطبية، أسهم في وفاة عشرات المرضى الذين كانوا بحاجة إلى تدخلات عاجلة.
تضررت وحدات القسطرة وتوقفت عمليات جراحة القلب في مستشفيات القطاع جراء الحرب
ونقص الأدوية وسوء التغذية وتدهور الأوضاع الإنسانية -بحسب حلس-، فاقمت معاناة الأطفال المرضى، مشيرًا إلى أن كثيرين فقدوا حياتهم بسبب تأخر العلاج أو عدم تمكنهم من السفر لتلقي الرعاية الصحية اللازمة، رغم أن إنقاذهم كان ممكنًا لو توفرت لهم فرص العلاج في الوقت المناسب.
ويدعو الطبيب المجتمع الدولي والمؤسسات الإنسانية إلى التحرك العاجل لتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، وضمان وصول الأطفال المرضى إلى العلاج والرعاية الصحية، داخل قطاع غزة وخارجه، قبل أن يطول الانتظار أسماءً جديدة على قوائم الضحايا.
وبحسب منظمة الصحة العالمية، لا يزال أكثر من 15800 مريض في حالات حرجة بحاجة إلى رعاية طبية متخصصة وعاجلة لا يمكن توفيرها داخل غزة، إلا أن الحصار الإسرائيلي المحكم يحول دون خروجهم للعلاج.
