غزة.. حين يصبح الوصول إلى الطبيب إنجازًا
تاريخ النشر : 2026-06-18 13:06

قطاع غزة:

قبل أن يصل دورها إلى شباك صرف الدواء، تكون السيدة نبيلة الشاعر (64 عامًا) قد أمضت نحو ثلاث ساعات واقفة بين عشرات المرضى المنتظرين، تعاني من ارتفاع ضغط الدم، لكن رحلة الحصول على علاجها الشهري أصبحت بحد ذاتها عبئًا صحيًا إضافيًا.

في قطاع غزة، ومنذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية وتدمير عشرات المراكز الصحية والعيادات والاستيلاء على الأراضي، يصطف المرضى وكبار السن وأهالي الأطفال المحتاجين للرعاية الطبية منذ ساعات الفجر الأولى في المستشفيات والمراكز، في محاولة للحصول على دواء أو فحص أو موعد طبي وسط ضغط متزايد على الخدمات.

تقول نبيلة لـ"نوى" إنها تضطر للانتظار ساعات طويلة حتى تصل إلى دورها، وأحيانًا يرتفع ضغطها وتشعر بالإرهاق كما تتورم أطرافها بسبب الزحام وحرارة الجو، مضيفة: "لو كنت أستطيع شراء الدواء لما جئت إلى العيادة وانتظرت كل هذا الوقت".

استقبلت أقسام الطوارئ خلال شهر مايو/أيار 2026 أكثر من 25 ألف حالة، بينها 3720 حالة في الطوارئ المركزية

ولا تقتصر المعاناة على صرف الأدوية، بل تمتد إلى الفحوصات الطبية المتخصصة التي بات الحصول عليها يستغرق أسابيع أو أشهر، فمنذ أكثر من شهرين، تنتظر أسماء أبو موسى موعدًا لإجراء فحص الإيكو وهو تصوير القلب بالموجات فوق الصوتية، لتحديد طبيعة الحالة الصحية لطفلتها ومدى خطورتها.

وتشرح أسماء لـ"نوى" بأن الزيادة الكبيرة في أعداد المرضى وقلة أجهزة الإيكو المتاحة، ومحدودية توفر الخدمة داخل المراكز الصحية، تسببت في تأخير الفحص رغم محاولاتها المتكررة للبحث عن بدائل في العيادات والمستشفيات المختلفة.

أما المواطنة أماني محمد وهو اسم مستعار (27 عامًا)، فتعيش معاناة مختلفة لكنها لا تقل قسوة، فمنذ نحو ثلاثة أشهر تعاني من مشكلة صحية نسائية تسبب لها آلامًا شديدة، فيما تحول ظروفها الاقتصادية دون مراجعة طبيب خاص.

تخبرنا بأنها راجعت عدة نقاط طبية ومراكز علاج مجانية خلال الأشهر الماضية، لكنها اصطدمت في إحدى المرات بحصولها على الرقم 200 ضمن قائمة المراجعين، بينما أُبلغت في مرة أخرى بأن بطاقات المراجعة نفدت قبل وصولها بساعة.

وبعد محاولات متكررة، تمكنت أخيرًا من الحصول على موعد مجاني في أحد المستشفيات بعد 12 يومًا، فيما تواصل الاعتماد على المسكنات للتخفيف من آلامها، ما يعكس واقعًا صحيًا مثقلًا بالأعباء، يتقاطع فيه تزايد أعداد المرضى مع تراجع قدرة المرافق الطبية على الاستجابة للاحتياجات المتنامية.

وفي هذا السياق، أوضح مدير الصيادلة في مجمع ناصر الطبي، الدكتور بيان شراب، أن الضغط الهائل على صيدلية المجمع يعود إلى تحولها من صيدلية تخصصية تخدم فئة محددة من المرضى إلى مركز يقدم خدمات دوائية شاملة لعشرات آلاف المواطنين والنازحين، ما ضاعف حجم العمل والأعباء اليومية على الطواقم الصيدلانية.

وأضاف أن الطواقم تواصل العمل لساعات طويلة وبجهود مضاعفة لضمان استمرار تقديم الخدمات العلاجية، رغم الظروف الاستثنائية التي يمر بها القطاع الصحي، مشيرًا إلى وجود عجز في عدد من الأصناف الدوائية الأساسية نتيجة القيود والعراقيل الإسرائيلية التي ما تزال تؤثر على القطاع الصحي وتحد من قدرته على تلبية احتياجات المواطنين.

استقبلت العيادات الخارجية خلال الفترة نفسها أكثر من 23 ألف مراجعًا، وهي أرقام تفسر طوابير الانتظار الطويلة وتأخر المواعيد التي يتحدث عنها المرضى يوميًا

كما أسهم تكدس النازحين في جنوب قطاع غزة وتوقف عمل العديد من المستشفيات والعيادات منذ اندلاع حرب الإبادة الإسرائيلية عام 2023 في زيادة الضغط على المرافق الصحية العاملة.

وتظهر إحصاءات دائرة العلاقات العامة في مجمع ناصر الطبي حجم هذا الضغط؛ إذ استقبلت أقسام الطوارئ خلال شهر مايو/أيار 2026 أكثر من 25 ألف حالة، بينها 3720 حالة في الطوارئ المركزية، إضافة إلى 3798 موزعة بين طوارئ الأطفال والباطنة والولادة.

كما استقبلت العيادات الخارجية خلال الفترة نفسها أكثر من 23 ألف مراجعًا، وهي أرقام تفسر طوابير الانتظار الطويلة وتأخر المواعيد التي يتحدث عنها المرضى يوميًا، وتجعلهم يخوضون معركة يومية لا تنتهي مع المرض، في رحلة شاقة للحصول على حق أساسي بات الوصول إليه أكثر صعوبة من أي وقت مضى.