قطاع غزة:
بأصابع صغيرة ترتجف من الحماس، رفع طفلٌ غزّي في السابعة من عمره قطعةً من البطيخ إلى فمه. كانت المرة الأولى التي يتذوق فيها هذه الثمرة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة عام 2023، ومع أول قضمة، انسكبت الحلاوة في فمه كما لو أنها تستدعي حياةً كاملة كادت تغيب عن ذاكرته.
ثمرة البطيخ، نبتت في أرض خانيونس، حيث نجح مزارعون في إنتاج أول محصول محلي من هذه الفاكهة بعد سنوات من التدمير الإسرائيلي والحرمان جرّاء الحصار المطبق والمشدد منذ بدء حرب الإبادة.

يقف المزارع عيد أبو سعيد بين خطوط الزراعة متأملاً ثمار البطيخ المتناثرة على الأرض، تلمع عيناه وهو يشق إحداها ليرى لونها الأحمر القاني، ويقول إن هذا المشهد هو الأجمل الذي رآه منذ سنوات، لأنه يختصر شهورًا من التعب والانتظار.
يعيل أبو سعيد (38 عامًا) أسرة مكوّنة من ستة أفراد، ويصف عودته إلى الأرض بعد الحرب بأنها "عودة الروح"، مضيفًا "شعرت أنني لم أكن حيًا قبل أن أعود إلى تراب أرضي".
خلال الحرب، تعرضت أرضه ومعداته الزراعية للتدمير مرتين، بما في ذلك ألواح الطاقة الشمسية والآليات الزراعية، لكن الخسائر التي أثقلت كاهله لم تدفعه إلى التراجع، بل زادته تمسكًا بالأرض وزراعة البطيخ نموذجًا.
قبل أشهر قليلة، تمكن من زراعة أربع دونمات بالبطيخ، محققًا إنتاجًا أوليًا بلغ نحو خمسة أطنان للدونم الواحد، ورغم النتائج المشجعة، لم تكن الرحلة سهلة؛ فالمزارعون في غزة يواجهون نقصًا حادًا في الأدوية والمستلزمات الزراعية، إلى جانب الارتفاع الكبير في تكاليف المعيشة والإنتاج.
ويأمل أبو سعيد، كما كثير من المزارعين، أن تتواصل جهود الدعم ليتمكنوا من توسيع رقعة الزراعة وإعادة إنتاج محاصيل أخرى مثل الفلفل والباذنجان، بعيداً عن شبح الحرب والدمار.

قبل اندلاع الحرب، شكّلت الزراعة أحد أعمدة الأمن الغذائي في قطاع غزة، إذ بلغت المساحات المزروعة نحو 117 ألف دونم، واستحوذت الخضروات على 77% من الإنتاج النباتي و42% من القيمة الإجمالية للإنتاج الزراعي، مع زراعة ما يقارب 40 صنفاً مختلفًا.
غير أن الإبادة بدّلت هذا المشهد جذريًا؛ فوفق تقديرات حديثة، دُمّر أو تضرر أكثر من ثلاثة أرباع الأراضي الزراعية، فيما تشير بيانات أخرى إلى أن نحو 80% من الرقعة الزراعية في القطاع تعرضت للدمار، في خسارة طاولت أحد أهم مصادر الغذاء والدخل لسكان غزة.
بطبيعة الحال، لم تكن عودة الحياة إلى الحقول ممكنة لولا الجهود الميدانية التي تبذلها المؤسسات الداعمة للقطاع الزراعي، حيث يقول هنا المهندس باسم أبو غليبة، ممثل الجمعية العربية لحماية الطبيعة في غزة، إن فرق العمل لم تتوقف منذ مطلع عام 2024.
ويواصل: "نعتبر أنفسنا جنودًا للمزارعين، ونعمل باستمرار لمساعدتهم على تجاوز آثار الحرب"، موضحًا أن التدخلات ركزت على توفير البذور والشتلات التي أصبحت نادرة أو باهظة الثمن.
كما يشير أبو غلبية إلى أن المساعدات وصلت حتى إلى المناطق الشمالية المحاصرة، بما فيها بيت لاهيا، لضمان استمرار الزراعة في أكثر المناطق تضررًا.
ويبيّن أن الجمعية ركزت بدايةً على دعم المزارعين في المناطق الشرقية التي تعرضت لدمار واسع، قبل أن تتوسع التدخلات نحو المناطق الغربية في مختلف محافظات القطاع، ما أسهم في إعادة زراعة محاصيل أساسية مثل البندورة والبطاطا والخيار والباذنجان والكوسا، بعدما شهدت أسعارها ارتفاعات غير مسبوقة خلال الحرب.

أما البطيخ المزروع محليًا هذا الموسم، فيصفه أبو غليبة بأنه "بطيخ صحي"، إذ جرى إنتاجه دون استخدام المبيدات الكيميائية التي لم تعد متوفرة في القطاع، ما جعل المحصول أكثر أمانًا للمستهلكين.
من الأردن، يضع محمد قطيشات، مدير المشاريع التأهيلية في الجمعية العربية لحماية الطبيعة، هذه الجهود ضمن رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز صمود المزارعين الفلسطينيين وتمكينهم من مواصلة الإنتاج رغم الظروف القاسية.
ويقول إن الهدف لا يقتصر على تقديم المساعدات، بل يتمثل في تمكين المزارع من الاعتماد على نفسه واستعادة دوره الإنتاجي، ويشرح: "نوفر البذور والشتلات والمعدات الأساسية، ثم نترك للمزارع مساحة العمل والإبداع، لأننا نؤمن بأن دعمه على الإنتاج أفضل من إبقائه معتمدًا على المساعدات".
ويرى قطيشات أن نجاح زراعة البطيخ يتجاوز كونه إنجازًا زراعيًا، إذ انعكس مباشرة على حياة السكان، فقد انخفض سعر الكيلوغرام من نحو 12 شيكلاً للبطيخ المستورد إلى خمسة شواكل فقط للمحصول المحلي، ما جعله متاحًا لعدد أكبر من العائلات التي تعاني ظروفًا اقتصادية قاسية.
ويضيف: "هذا الانخفاض يؤكد أهمية دعم الإنتاج المحلي في توفير الغذاء بأسعار معقولة، ويثبت أن الأرض ما تزال قادرة على العطاء متى توفرت لها مقومات الزراعة".
ورغم القيود التي يفرضها الاحتلال، من إغلاقات متكررة وتضييق على الوصول إلى الأراضي الزراعية، يؤكد قطيشات أن القطاع الزراعي في غزة يمتلك قدرة كبيرة على التعافي، أن كثيرًا من الأراضي ما زالت صالحة للزراعة، ما يفتح المجال أمام استعادة الإنتاج بوتيرة أسرع إذا توفرت الأسمدة والشتلات وأعيد تأهيل البيوت البلاستيكية.

