"ألم تنته المجاعة".. سؤال طفل يكشف أزمة الخبز في غزة
تاريخ النشر : 2026-06-14 16:39

قطاع غزة:

"أمي.. ألم تنتهِ المجاعة؟".. بهذا السؤال استيقظ الطفل محمد صباحًا، بعدما لم يجد خبزًا في المنزل، ارتبكت والدته يسرى صلاح وهي تحاول تهدئته ببعض قطع البسكويت، قبل أن تخرج بحثًا عن نقطة بيع في منطقتها علّها تحصل على ربطة خبز واحدة، لا تكفي عائلتها غالبًا إلا حتى ساعات المساء.

وبينما تؤكد وكالات أممية تراجع خطر المجاعة في غزة، لا يزال الخبز بالنسبة إلى آلاف العائلات سلعة يصعب الوصول إليها.

تقول يسرى إن تأمين الخبز لا يأتي بسهولة لعدة أسباب أهمها رفع بعض التجار سعر الربطة من 3 شواكل إلى 5 شواكل أو أكثر، مرورًا باشتراط الدفع بـ"الفكة"، وصولًا إلى ما تصفه بغياب العدالة في التوزيع، إذ يؤمّن بعض الموزعين احتياجاتهم واحتياجات أقاربهم أولًا، ثم يبيعون ما يتبقى لديهم من كميات.

وتشير إلى أن أسرتها المكونة من خمسة أبناء إضافة إليها وزوجها، تضطر إلى التعامل بحذر شديد مع كل ربطة خبز مكونة من 25 رغيفًا.

بينما تؤكد وكالات أممية تراجع خطر المجاعة في غزة، لا يزال الخبز بالنسبة إلى آلاف العائلات سلعة يصعب الوصول إليها

تتحدث بأنها تحاول توزيع الأرغفة على مدار اليوم، وتحتفظ دائمًا برغيف واحد للصغير ليتناوله قبل ذهابه إلى روضته، مضيفة: "عند استقبال أي ضيف، أضطر حينها إلى شراء خبز "الفينو" بسعر شيكل واحد للرغيف، وهو ما يفوق قدرتنا الاقتصادية".

وعندما سألناها عن سبب عدم إعداد الخبز في المنزل، أجابت بأن ذلك يكاد يكون مستحيلًا، فبحسب قولها، يتطلب الأمر جهدًا أكبر بكثير من الحصول على ربطة خبز جاهزة، فضلًا عن الحاجة إلى الغاز غير المتوفر، وعدم وجود خبازين في منطقتها.

أما إشعال النار والطهي في ظل حرارة الصيف الخانقة، فيعني قضاء اليوم بأكمله في إعداد الطعام والخبز، وتصف هذا الاحتمال بأنه "كابوس" تحاول دائمًا الهروب من التفكير فيه.

وفي مشهد آخر، اصطف المواطن مروان مسلم عند الثامنة صباحًا لاستلام حصته اليومية من الخبز كما اعتاد كل يوم، لكنه فوجئ بازدحام كبير أمام نقطة التوزيع، وبحالة من التوتر دفعت بعض الشبان إلى التشابك بالأيدي وسط صراخ المحتشدين. 

وبعد ساعات من الانتظار، وصل دوره أخيرًا، ليصدمه البائع بقوله: "بعتذر منك.. خلصت الكمية"، يعلق مروان هنا بأن أكثر ما كان يشغله في تلك اللحظة هو كيفية إخبار والديه المسنين بأنه عاد إلى المنزل من دون خبز للفطور.

ويوضح أن النظام المعتاد يقضي بدفع ثلاثة شواكل عبر التطبيق البنكي عصرًا، ثم تسليم البائع ورقة في صباح اليوم التالي للحصول على الربطة، لكن نفاد الكميات تكرر معه أكثر من مرة، وفي كل مرة يجد نفسه مضطرًا للبحث عن طريقة لاستبدال الورقة ببضاعة أخرى أو الحفاظ عليها من التلف لحين استخدامها.

مروان ويسرى وكثير من العائلات في القطاع، يطالبون بافتتاح خطوط لإنتاج الخبز العادي وتوفيره كما كان سابقًا في المخابز والبقالات، حتى لو كان بسعر أعلى قليلًا، ويتساءلون: إذا كانت المواد الخام متوفرة، وكانت أصناف المخبوزات الأخرى من الفينو والبسكويت تملأ الأرفف، فما الذي يمنع إنهاء معاناة الطوابير وتأمين الخبز للمواطنين بصورة طبيعية؟

في المقابل، يوضح عبد الناصر العجرمي، رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة، أن السبب الرئيس وراء عدم تشغيل خطوط إنتاج الخبز العادي يتمثل في عدم توفر السولار والقيود المفروضة على إدخاله، إلى جانب ارتفاع تكلفة شرائه من السوق السوداء.

ويقول إن تشغيل هذه الخطوط دون دعم من برنامج الأغذية العالمي سيجعل سعر الربطة الواحدة يصل إلى 14 شيكلًا، رغم أن وزنها سيكون نصف وزن الربطة التي كانت تباع قبل حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.

وعن انتشار أنواع أخرى من المخبوزات في الأسواق، يرى العجرمي أنها تندرج ضمن الكماليات، ومن يرغب بها يستطيع شراءها، رغم أن أسعارها تضاعفت مرتين مقارنة بالسابق، مشيرًا إلى وجود 27 مخبزًا في القطاع تتلقى دعمًا من برنامج الأغذية العالمي يشمل الطحين والسولار، بينما تحصل ستة مخابز فقط على دعم السولار دون الطحين.

وبحسب العجرمي فإن هذا التفاوت في أشكال الدعم يؤدي إلى فروقات بسيطة في الأسعار لا يتقبلها المواطنون، متسائلًا: "فكيف سيكون الحال إذا تحمل المستهلك كامل التكلفة وحده؟"

ويشدد على أن المخابز ليست مسؤولة عن عملية البيع المباشر للمواطنين، وإنما تورد الكميات إلى برنامج الأغذية العالمي الذي يتولى الإشراف على توزيعها عبر نقاط البيع.

إذا كانت المجاعة قد انتهت فعلًا، فلماذا ما زال الحصول على ربطة خبز يتطلب كل هذا الانتظار؟

كما يؤكد أن البيع يتم من خلال التطبيق البنكي، ولا يُشترط الدفع بالفكة أو بالأوراق النقدية، فيما يحصل الموزع على شيكلين عن كل ربطة، ويضيف أن البرنامج يحاول الحد من الأزمة عبر التعاون شهريًا مع أربعة مخابز جديدة وافتتاح خطوط إنتاج إضافية لتلبية احتياجات السكان.

من جانبه، يفيد عبد الكريم اليازجي، مدير العلاقات العامة لمجموعة مخابز اليازجي، بأن المستهلك في غزة غير قادر على تحمل تكلفة ربطة خبز غير مدعومة من برنامج الأغذية العالمي.

ويشدد على أن المخابز لا تحدد سعر الربطة ولا آلية الدفع، معتبرًا أن ما يحدث هو نتيجة "سلسلة من الفوضى" يقودها أشخاص أفلتوا من المحاسبة، فأصبحوا يحتجزون الخبز ويعيدون بيعه عبر الأطفال والباعة المتجولين بأسعار السوق السوداء، غير آبهين بمعاناة المواطنين.

وبينما يتبادل المواطنون والمخابز والجهات المشرفة التفسيرات حول أسباب الأزمة، يبقى السؤال الذي طرحه محمد على والدته في الصباح بلا إجابة واضحة: إذا كانت المجاعة قد انتهت فعلًا، فلماذا ما زال الحصول على ربطة خبز يتطلب كل هذا الانتظار؟