لم تعد أحاديث النازحين في قطاع غزة تدور حول الطعام والماء والنزوح فحسب، بل باتت الحشرات والقوارض تتصدر مجالسهم اليومية. "كيف الوضع عندكم مع الفئران؟"، "شو أخبار القارص؟"، "خفّت البراغيث ولا لسه؟"، أسئلة تتكرر باستمرار بين سكان الخيام، بعدما تحولت هذه الآفات إلى جزء من تفاصيل الحياة القاسية التي يواجهونها منذ أشهر.
ومع اتساع رقعة النزوح وتدهور الأوضاع البيئية، يجد مئات آلاف النازحين أنفسهم في مواجهة يومية مع البراغيث والبعوض والحشرات القارصة والفئران، وسط غياب شبه كامل للحلول أو وسائل المكافحة، ما يجعل من الخيام بيئة مفتوحة لمخاطر صحية تتفاقم مع ارتفاع درجات الحرارة واقتراب ذروة فصل الصيف.
تقول عبير السقا، وقد عادت قبل عدة أشهر لمنطقة السطر الغربي، ربما لم نعاني كما سكان المواصي من انتشار البراغيث، ولكن مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، بدأنا نعيش حرفيا مع حشرات منها ما نعرفه ومنها ما هو جديد علينا، الباعوض الصغير الذي لا نراه أصلا ولكنه يسمى بالقارص من شدة تأثير قرصاته على أجسادنا وأجساد أطفالنا، لا أعرف تحديداً كيف يمكننا أن نتصرف، ونحن نعيش في خيمة بسيطة، ولا نملك أي أدوات مساعدة يمكنها أن تساعدنا في القضاء على هذه الحشرات.
المعاناة ذاتها يعيشها غالبية مواطني قطاع غزة، سيما القاطنين في الخيام، تقول الشابة سجى عطا الله :" لا نكاد ننام ليلاً، أرى الفئران في النهار، وأراه ينظر لي في الليل، لا يخاف شيئاً، أخشى أن يغمض لي جفن، فيصول ويجول ولا أعرف ما الذي يمكنه فعله، ناهيك أن القراص لا يجعلنا أصلا نهنأ بساعة نوم متواصلة، نقضي الليل في حرب مع الباعوض والبراغيث وخوف من الفئران، كل هذا والصيف لم يشتد بعد".
تضيف :" كلما نظرت إلى ركام بيتنا، أشعر وأنه يخبئ بداخله عوالم مخيفة من الحشرات والهوام، لا أعرف كيف ومتى يمكن أن نتخلص من هذا الكابوس".
تضيف:"لم تنتهي الإبادة وزادت حرب جديدة، حرب مع القوارض والحشرات، أظننا لا يمكن أن نكون الرابحين فيها، ونحن نعيش في خيام مهترئة، وحرارة مرتفعة، وانعدام شبه كامل لأي حلول فعلية".
وفي الوقت الذي يحاول فيه تامر أبو معروف أن يصنع حياةً تشبه الحياة، عبر زراعة بعض الأشتال ليعيل أسرته، تكاد تفتك به معاناة لا تتوقف ليلاً فمع ارتفاع درجات الحرارة ودخول فصل الصيف مبكرًا، تحولت الخيام ومحيطها إلى بيئة مفتوحة للحشرات والقوارض، لتصبح البراغيث والبعوض والحشرات القارصة جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية لمئات آلاف النازحين في قطاع غزة.
يقول أبو معروف: "على قد ما بقدر، بحاول أحسّن من ظروفي ومن ظروف أطفالي، لكن القارص والبراغيث والبعوض ما بتركوا حدا بحاله". ويضيف: "بنحتار بالمصروف القليل اللي معنا؛ نجيب أكل للأطفال، ولا دواء، ولا مبيدات للحشرات؟".
ولا تتوقف معاناته عند حدود الحشرات. فالرجل يقيم قرب المقابر، ويصف واقع حياته قائلًا: "بيننا وبين الأموات أقل من نصف متر. بنعيش جنبهم، وبنعاني من الحشرات والرصاص الطائش، ومش عارفين شو نعمل. بدنا حل جذري للوضع اللي عايشينه".
ومع تزايد موجات الحر، تتصاعد شكاوى النازحين في مناطق المواصي جنوب القطاع، حيث تنتشر الخيام فوق مساحات رملية تفتقر إلى أبسط مقومات البنية التحتية. وبين النفايات المتراكمة ومياه الصرف الصحي المكشوفة، تجد الحشرات بيئةً مثالية للتكاثر والانتشار.
في إحدى الخيام في منطقة المواصي غرب خانيونس، تقضي سجود العكاوي لياليها الطويلة في محاولة تهدئة طفلتيها، بعد أن يهاجمهن القارص الذي لا يرى بالعين، تقول إن ساعات الليل أصبحت الأصعب إذ يبدأ القارص هجومه مع غروب الشمس، بينما تستمر البراغيث في الانتشار داخل الأغطية وأماكن النوم، ونبقى في صراع لا ينتهي إلا مع بزوغ الشمس".
تقول: "أطفالي لا ينامون من شدة الحكة، أجسادهم امتلأت بالحبوب والالتهابات، ونحن بالكاد نملك ما يقيت يومنا فكيف سنوفر الأدوية والمراهم"، وتتساءل بقلق: "إذا كان هذا الحال اليوم كيف سيكون حينما يشتد الصيف؟".
وسبق أن حذر عاملون في القطاع الصحي والبلدي من أن استمرار تراكم النفايات وبرك المياه العادمة قرب التجمعات السكانية ومخيمات النزوح يرفع من احتمالات انتشار الأمراض، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة خلال شهري يوليو وأغسطس.
