سنوات عجاف .. أسر الشهداء والجرحى تقتات على الصبر!!
تاريخ النشر : 2026-06-11 19:10

على امتداد ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" في مخيم جباليا، يعيش الجريح فهد كلش مع أفراد عائلته التسعة في ظروف بالغة القسوة. ورغم المخاطر التي تحيط بالمكان، لم يجد خياراً آخر بعد أن اضطر للنزوح أكثر من 30 مرة منذ بداية حرب الإبادة، متنقلاً بين مناطق مختلفة من قطاع غزة بحثاً عن مكان يؤويه وعائلته.

يقول: "منذ سنوات طويلة وأنا أعيش بإعاقة، بعد أن أُصبت عام 2006 حين كنت في الخامسة عشرة من عمري. كانت الإصابة بالغةً وأدّت إلى بتر قدمي. كنت أعتمد على راتب الجرحى الذي أتقاضاه بشكل منتظم، وكان يساعدني على تأمين احتياجات أسرتي الأساسية".

تمكّن فهد خلال الحرب من استلام الراتب نحو ست مرات فقط، ثم انقطع بالكامل. يقول: "أولادي يطلبون مني نقوداً ليشتروا احتياجات بسيطة، فأقف عاجزاً أمامهم. أحياناً يذهبون إلى الدكان ولا أملك ما أدفعه. خلال فترة المجاعة كنا نفقد الوعي في الشارع من شدة الجوع وقلة الطعام". ويختصر مطلبه: "كل ما نطالب به هو إعادة صرف رواتبنا حتى نتمكن من العيش بكرامة".

وتعتمد مها جمال، وهي ابنة شهيد، منذ أكثر من خمسة عشر عاماً على راتب والدها كمصدر دخل أساسي، قبل أن تجد نفسها مع اندلاع حرب الإبادة بلا أي مصدر رزق، تواجه أعباء الحياة بالديون.

تقول: "قيل لنا في البداية إن المشكلة تتعلق بالسيولة، ثم طُرحت فكرة توكيل أشخاص في الضفة المحتلة لاستلام الرواتب نيابةً عنا. تمكّن بعضهم من إيجاد أقارب هناك وأنجزوا التوكيلات، لكن كثيرين مثلي لم يجدوا أحداً يمكن الاعتماد عليه". وتتساءل: "كيف يمكن أن أوكّل شخصاً لا أعرفه ليستلم راتبي؟ ومن يضمن حقوقي؟".

وتُضيف أن معاناتها لا تقتصر على انقطاع الراتب، إذ تقول: "عندما أذهب للتسجيل في أي برنامج مساعدات، يتم التعامل على أنّ لديّ راتباً، رغم أنني لم أتقاضَاه منذ ثلاث سنوات. الناس الذين أقرضوني المال فعلوا ذلك لأنهم يعتقدون أن راتبي سيعود يوماً ما، لكن لا أحد يعرف متى". وتقول: "لا نبحث عن امتيازات إضافية، بل عن حق كنا نحصل عليه منذ سنوات طويلة".

أما الجريح كمال بريكة، فقد أُصيب خلال انتفاضة الأقصى عام 2002، وأصبح من ذوي الإعاقة الحركية، ويعيش اليوم مع زوجته في خيمة بمواصي خانيونس. يقول: "إعاقتي تحتاج إلى مكان مُهيَّأ، خاصةً أنني أعاني من تقرحات وآلام مستمرة في جسدي، وأحتاج إلى علاج دائم".

انقطاعُ الراتب حرم بريكة  من القدرة على تأمين احتياجاته الصحية الأساسية، فيجد نفسه عاجزاً عن توفير أبسط مقومات العيش الكريم. ويُلفت إلى أن كثيراً من المؤسسات الإغاثية تُعطي الأولوية للعائلات التي لديها أطفال، وكثيراً ما يُستثنى باعتبار أن أسرته لا تُصنَّف عائلةً كبيرة تحتاج إلى الدعم.

من جهته، قال علاء البراوي، المتحدث باسم اللجنة الوطنية لأهالي الشهداء والجرحى، إن قضية صرف المخصصات شهدت تعقيدات متزايدة منذ اندلاع الحرب، موضحاً أن الملف كان يتبع مؤسسةَ رعاية أسر الشهداء والجرحى التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأن المبرر الأول لوقف الصرف تمثّل في شُح السيولة وصعوبة إيجاد آليات للصرف داخل القطاع. وأشار إلى أن نظام الوكالات مكّن نحو 4700 عائلة من استلام مستحقاتها، فيما ظلّ آلاف آخرون خارج هذه المنظومة.

وأضاف أن العائلات فوجئت بقرار نقل الملف إلى مؤسسة تمكين الاقتصادية، معتبراً أن إجراءاتها أدّت إلى تعقيد الملف وزيادة الغموض، في ظل غياب تفاهم واضح مع العائلات المتضررة. ويرى أن الحل يتطلب قراراً سياسياً من أعلى المستويات في القيادة الفلسطينية، مشيراً إلى أن الأوضاع الإنسانية الصعبة تعيق قدرة العائلات على تنظيم فعاليات للمطالبة بحقوقها.

وأكد البراوي أن اللجنة تعتزم تصعيد تحركاتها للمطالبة بإعادة المخصصات وفتح تحقيق في القرارات التي أدّت إلى وقفها، مؤكداً أن استمرار الأزمة يُفاقم معاناة آلاف الأسر التي فقدت مصدر دخلها الأساسي.