قطاع غزة:
لم تترك حرب الإبادة لأرامل غزة وقتًا كافيًا للحزن، فبعد أن انتزعت أزواجهن، دفعت كثيرات منهن إلى مواجهة مصائر ثقيلة لم يخترنها يومًا. هكذا يحدث في خيام النزوح وضيق الحال ومسؤولية الأطفال، إذ لم يعد السؤال متعلقًا ببداية حياة جديدة أو الرغبة في الزواج، بل بكيفية العبور من يوم إلى آخر.
ومع غياب المعيل وتعاظم المسؤوليات، وجدت بعض النساء أنفسهن أمام خيارات محدودة يفرضها الواقع أكثر مما يفرضها الاقتناع، ليغدو الزواج من شقيق الزوج الشهيد بالنسبة لهن بابًا للبقاء وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار، لا بوصفه قرارًا شخصيًا اتخذنه بإرادتهن الكاملة.
بجوار مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، تجلس إسراء جهاد (29 عامًا) تحت ظل خفيف لا يكاد يقيها شمس الصيف، حولها ثلاثة أطفال، وبضعة أغطية وأغراض متناثرة، هي كل ما تبقى من بيت كانت تملكه قبل أن تبتلع الحرب تفاصيل حياتها.
تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن أكثر من 22 ألف امرأة في القطاع فقدن أزواجهن منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
بدأت رحلة نزوحها من جباليا، وانتهت إلى الشارع. فقبل عامين استشهد زوجها، لتجد نفسها فجأة مسؤولة عن أطفالها بلا دخل ولا سند. تقول لـ"نوى" إنها عندما طلبت المساعدة في ترتيب بعض الأوراق المتعلقة بالأولاد، قيل لها إن الحل هو أن تتزوج شقيق زوجها.
وافقت إسراء تحت ضغط الحاجة، وتم الزواج في أبريل/نيسان 2024، لكن التجربة لم تعش طويلًا؛ فبعد أربعة أشهر فقط وقع الطلاق، وعادت إلى نقطة الصفر، حيث لم تكن تعرف الكثير عن حقوقها القانونية، وكانت تبحث فقط عن وسيلة تحفظ لها ولأطفالها ما تبقى من حقوقهم.
تضيف وهي تنظر إلى أطفالها الذين يلهون بالقرب منها، كأنها تلخص عامًا كاملًا من الخسارات في جملة واحدة: "رجعت على الشارع مع أطفالي، لا أحد يسأل عنا".
في قطاع غزة، أعادت الحرب تشكيل الملامح الاجتماعية، فلم تعد آثار العدوان تتوقف عند القتل والنزوح والجوع، وإنما امتدت إلى الحياة الخاصة للنساء اللواتي فقدن أزواجهن ويواجهن ظروفًا اقتصادية صعبة، وضغطًا عائليًا، وخوفًا على الأطفال.
وتشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن أكثر من 22 ألف امرأة في القطاع فقدن أزواجهن منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ليدخلن فجأة في مواجهة حياة جديدة بلا معيل.
في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، تحمل ميساء عماد (26 عامًا) قصة مشابهة، لكنها بدأت بالرفض. وتخبرنا في تفاصيلها أنه بعد استشهاد زوجها مطلع عام 2024، رفضت فكرة الزواج من شقيقه رفضًا قاطعًا. كانت ترى في الأمر انتقاصًا من وفائها لزوجها الراحل، وتمسكت بموقفها لأشهر.
لكن الحرب كانت تغيّر كل شيء من حولها؛ تجدد النزوح، وتفرقت العائلة، ووجدت نفسها وحيدة مع طفل يحتاج إلى الطعام والرعاية والمأوى.
تقول: "أهلي نزحوا وما أخذوني معهم، وصرت بلا معيل ولا سند"، ومع مرور الوقت لم يعد السؤال بالنسبة لها إن كانت تريد الزواج أم لا، بل كيف ستحمي طفلها في ظل واقع يزداد قسوة كل يوم.
وتوضح: "اخترت أطفالي، كانت روحي تؤلمني كلما نظرت إليهم وعجزت عن تلبية احتياجاتهم"، ثم تختصر التجربة كلها بجملة واحدة: "لم يكن أمامي خيار آخر".
أما شادية حلاوة (22 عامًا)، فقد وجدت نفسها أمام القرار ذاته بعد استشهاد زوجها في يونيو/حزيران 2025. لديها طفلان صغيران، أحدهما رضيع، وبيت لم يعد يتسع لها، وأوضاع اقتصادية تجعل تأمين الاحتياجات الأساسية معركة يومية.
تعيش اليوم في منزل عائلة زوجها، وترى أن الزواج من شقيقه كان المخرج الوحيد المتاح، مشيرة إلى أن: "ما بقدر أربي الأولاد لحالي، والحياة صعبة كثير".
ثم تضيف: "كنت أحتاج مكانًا أعيش فيه مع أطفالي ومصدر أمان يحميهم، فوجدت نفسي أمام قرار لم أخطط له يومًا".
تكشف هذه القصص جانبًا من التحولات التي أحدثتها الحرب داخل المجتمع الغزي، فوفق بيانات رسمية، ارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها نساء من نحو 12% قبل الحرب إلى قرابة 18% خلال فترة الإبادة، ما يعكس حجم المسؤوليات التي ألقيت على عاتق النساء بعد فقدان المعيل الأساسي.
وترى الدكتورة ريهام لباد، مديرة حالة في جمعية أصدقاء الصحة النفسية، أن الحديث عن هذا النوع من الزواج باعتباره خيارًا حرًا يتجاهل الظروف التي تعيشها النساء.
وتقول لـ"نوى": "عندما تجد المرأة نفسها بين الفقر والتشرد والخوف على أطفالها، يصبح القرار أقرب إلى الإكراه غير المباشر منه إلى الاختيار الحر"، موضحة أن فقدان الدخل وغياب السكن الآمن وضغط العائلة والخشية على مستقبل الأطفال تشكل أبرز العوامل التي تدفع بعض الأرامل إلى القبول.
كما تشير إلى أن بعض الحالات شهدت أنماطًا مختلفة من الاستغلال النفسي أو المادي، بينها التحكم بالمساعدات أو استخدام الاحتياجات الأساسية وسيلة للضغط.
ولا تتوقف المخاطر عند الجانب الاجتماعي، إذ تحذر لباد من مشكلات قانونية تنشأ نتيجة عدم توثيق بعض الزيجات، الأمر الذي قد يؤدي إلى ضياع حقوق المرأة المتعلقة بالنفقة أو الحضانة أو الميراث.
وفق بيانات رسمية، ارتفعت نسبة الأسر التي تعيلها نساء من نحو 12% قبل الحرب إلى قرابة 18% خلال فترة الإبادة.
من جهتها، تؤكد المحامية سماح عاشور، من المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، أن أي ضغط يُمارس على الأرملة للزواج من داخل عائلة الزوج يمثل انتهاكًا لحقها في حرية الاختيار.
وتشدد على أن حقوق المرأة، بما فيها الحضانة والميراث، حقوق قانونية مستقلة لا يجوز ربطها بالزواج أو استخدامها وسيلة للضغط عليها.
وتنوه إلى أن أخطر ما تواجهه النساء في هذه الحالات هو ما تصفه بـ"الإكراه غير المباشر"، حيث لا توجد أوامر صريحة أو تهديدات واضحة، لكن غياب البدائل الاقتصادية والسكنية يجعل القرار أقرب إلى الضرورة منه إلى الرغبة.
وفي نظر عاشور ولباد، لا يكمن الحل في النقاش القانوني وحده، بل في توفير بدائل حقيقية للأرامل، أبرزها الدخل المستدام، وفرص العمل، والسكن الآمن، والدعم النفسي والقانوني الذي يتيح للمرأة اتخاذ قرارها بعيدًا عن الخوف والحاجة.
