توقف زراعة القوقعة يضع أطفال غزة على حافة الصمت
تاريخ النشر : 2026-06-07 13:08

داخل خيمة متهالكة على شاطئ بحر خان يونس، جنوب قطاع غزة، تبقي والدة الطفل أسيد الشامي عينيها عليه طوال الوقت، في محاولة لحمايته من أي خطر قد يقترب منه دون أن يسمعه أو ينتبه له، إذ يعاني الطفل البالغ من العمر عامين ونصف من فقدان سمع شديد جدًا منذ ولادته، ويحتاج إلى عملية زراعة قوقعة غير متوفرة داخل القطاع.

تقول والدته، وهي تراقبه بعجز واضح، إن طفلها يعيش في حالة خطر دائم، لأنه لا يسمع أصوات القصف ولا نداءات من حوله، مشيرة إلى أنه نجا سابقًا من حادث خطير عندما هاجمت مجموعة من الكلاب الضالة خيمتهم ليلًا دون أن يسمع نباحها، كما تعرّض في أكثر من مناسبة لمخاطر حوادث سير كان يمكن أن تودي بحياته.

تؤكد أم أسيد لـ"نوى" أن مرور الوقت دون تلقي العلاج يعني خسارة إضافية لطفلها، وقد يؤدي إلى فقدانه القدرة على السمع والنطق بشكل دائم، رغم امتلاك العائلة تحويلة طبية رسمية وتقارير تثبت حاجته الماسة للعلاج خارج قطاع غزة.

لا تقتصر معاناة العائلة على أسيد وحده، إذ يعاني شقيقه الأكبر، البالغ من العمر 11 عامًا، من ضعف سمع متوسط أصيب به خلال حرب عام 2014، ويستخدم سماعات طبية تواجه العائلة صعوبة مستمرة في صيانتها وتوفير بطارياتها، في ظل منع دخول المستلزمات الطبية الخاصة بفاقدي السمع إلى قطاع غزة.

و لا تقتصر معاناة فاقدي السمع في غزة على الأطفال الذين ينتظرون زراعة القوقعة لأول مرة، بل تمتد إلى أطفال خضعوا سابقًا لعمليات زراعة وتأهيل طويل، قبل أن تهدد الحرب وانقطاع الصيانة بفقدان ما تم تحقيقه خلال سنوات من العلاج.

ومن بين هؤلاء الطفل حسن مهنا، الذي بدأت رحلته مع فقدان السمع منذ ولادته، قبل أن تتحول مسيرة علاجه إلى معركة يومية تخوضها عائلته للحفاظ على قدرته على السمع والتواصل.

تقول والدته لـ"نوى" إن حسن وُلد بفقدان سمع شديد نتيجة نقص الأكسجين أثناء الولادة، وبعد سنوات من الفحوصات والعلاج تبيّن أن نسبة فقدان السمع لديه وصلت إلى 90%، مشيرة إلى أنه استخدم السماعات الطبية في البداية دون نتائج تُذكر، قبل أن يخضع لعملية زراعة قوقعة في عام 2019.

تضيف:"بعد رحلة طويلة من العلاج وجلسات التأهيل والنطق، أصبح حسن، البالغ من العمر عشر سنوات، قادرًا على سماع بعض الأصوات والتحدث بجمل كاملة، كما التحق بالمدرسة وانخرط تدريجيًا في محيطه الاجتماعي".

لكنها توضح أن الحرب أعادت طفلها إلى ما وصفته بـ"نقطة الصمت الأولى"، بعدما تعطلت القوقعة للمرة الثانية وسط القصف والنزوح، الأمر الذي جعل الجهود التي بذلتها الأسرة لسنوات تبدو وكأنها تلاشت.

ومع الصعوبات الكبيرة في توفير الصيانة وقطع الغيار والبطاريات خلال الحرب، تجد عائلة حسن نفسها عاجزة عن تأمين الحد الأدنى من الدعم، فيما يكرر الطفل عبارته المؤلمة: "أنا تعبان.. بدي أسمع".

يعيش حسن حالة من العزلة والانطواء بعد تعطل سماعته، إذ بات يرفض الخروج أو الحديث مع الآخرين، بينما تواصل عائلته محاولات دعمه نفسيًا، خشية أن يفقد مجددًا قدرته على التواصل بشكل كامل.

بدورها، توضح أخصائية النطق والسمع رضا سكيك أن زراعة القوقعة تمثل فرصة حاسمة للأطفال الذين يعانون من فقدان سمع شديد، خصوصًا إذا أُجريت في السنوات الأولى من العمر، وهي المرحلة الأهم لاكتساب اللغة وتطوير مهارات التواصل.

تشير سكيك لـ"نوى" إلى أن نجاح زراعة القوقعة لا يعتمد على العملية الجراحية وحدها، بل يتطلب تأهيلًا مكثفًا وجلسات نطق وتمييز سمعي مستمرة، محذرة من أن أخطر التحديات التي تواجه زارعي القوقعة وعائلاتهم تتمثل في أعطال الأجهزة ونقص البطاريات وقطع الغيار، خاصة في ظل الظروف الحالية في قطاع غزة.

في السياق ذاته، تحذر رئيسة قسم السمع والتوازن في مستشفى الشيخ حمد، سها الهيثم، من أن قطاع غزة يضم مئات الأطفال من زارعي القوقعة وضعاف السمع الذين يعتمدون على المعينات السمعية في حياتهم اليومية.

تكشف الهيثم لـ"نوى" أن ما بين 70% إلى 80% من أجهزة القوقعة والمعينات السمعية تعرضت لأعطال كلية أو جزئية نتيجة نفاد البطاريات وتلف القطع الخارجية وعدم توفر بدائل، مشيرة إلى وجود ما لا يقل عن 15 طفلًا فقدوا أجهزتهم بالكامل تحت ركام منازلهم، ما أدى إلى انقطاعهم الكامل عن السمع منذ بداية الحرب.

تضيف أن انقطاع السمع لفترات طويلة لا يقتصر أثره على فقدان القدرة السمعية فقط، بل يمتد إلى تراجع المهارات اللغوية والنطقية التي يكتسبها الأطفال بعد سنوات من التأهيل، موضحة أن الأطفال الذين تتعطل أجهزتهم لفترات طويلة قد يفقدون تدريجيًا القدرة على نطق الحروف والتواصل.

تؤكد أن الأزمة لا تكمن في العملية الجراحية وحدها، بل في "البقاء على قيد السمع"، مشيرة إلى أن البطاريات تمثل العصب الأساسي لتشغيل الأجهزة، إلى جانب قطع الغيار الحيوية مثل الأسلاك وقطع الرأس والحاضنة ومواد الحماية من الرطوبة.

بالنسبة للأطفال الذين ما زالوا ينتظرون فرصة زراعة القوقعة، مثل الطفل أسيد الشامي، تؤكد الهيثم أن عامل الوقت يشكل عنصرًا حاسمًا في نجاح التدخل الطبي.

توضح أن "العمر الذهبي" لزراعة القوقعة يمتد حتى سن الثالثة بشكل مثالي، ويظل فعالًا حتى سن الخامسة، إذ تكون قدرة الدماغ على اكتساب اللغة في أعلى مستوياتها، بينما يؤدي التأخير لسنوات إضافية إلى تقليل فرص الطفل في تطوير النطق وفهم الكلام حتى في حال إجراء الزراعة لاحقًا.

تحذر الهيثم من أن استمرار منع إدخال المستلزمات الطبية الخاصة بزراعة القوقعة والمعينات السمعية قد يقود إلى ما وصفته بـ"موجة صمت جماعي"، في ظل احتمال تحوّل مئات الأطفال الذين خضعوا لزراعة القوقعة إلى فاقدي سمع مجددًا، بعد أن كانوا قد قطعوا شوطًا طويلًا في استعادة حياتهم الطبيعية، وهو ما يهدد بزيادة معدلات الإعاقة السمعية الدائمة في قطاع غزة بشكل غير مسبوق.