ليست أكوامًا من الركام فحسب، بل هي سنوات من التعب والشقاء، ورزقٌ أصبح الحصول عليه معركةً حقيقية يخوضها أصحاب المحال في سوق بيتا المركزي جنوب نابلس، الذين تتجدد غصتهم مع كل عملية هدم أو اعتداء ينفذه الاحتلال بحق السوق.
ويُعد محل التاجر مصباح أبو الحكم واحدًا من بين البركسات التجارية والمنشآت التي استهدفها الهدم الأخير في سوق بيتا، المعروف باسم "الحسبة". ولم تكن هذه المرة الأولى، إذ تعرض محله للهدم ثلاث مرات خلال السنوات العشر الأخيرة.
يتحدث أبو الحكم عن خسائره، موضحًا أن المرض أنهكه، وأن داء السكري تمكن منه نتيجة الحزن المستمر على مصدر رزقه الذي يتعرض للاستهداف المتكرر.

وتعكس معاناة أبو الحكم حجم الخسائر المادية التي تكبدها، والتي وصفها بالقاسية والمؤثرة في مسيرته المهنية داخل سوق بيتا منذ تأسيسها قبل 26 عامًا. ويقول: "آخر عملية هدم نفذها الاحتلال في السوق كانت مطلع حزيران الجاري، وقدّرت خسارتي فيها بنحو 70 ألف شيكل. وقبل ذلك، تعرض نحو 30 محلًا للهدم قبل تسعة أشهر في عملية كانت أوسع نطاقًا وأشد ضررًا، ونتيجة لذلك تراكمت الديون عليّ حتى بلغت اليوم ثلاثة ملايين شيكل".
ويضيف: "شمل الهدم البركسات وكل ما بداخلها من ثلاجات ومكاتب ومعدات، فالاحتلال يحرمنا من إخراج أي شيء قبل تنفيذ الهدم، فنخسر كل شيء، بما في ذلك فواتير العمل والطلبات والديون التي نوثقها في تعاملاتنا اليومية مع المزارعين والتجار".
ويؤكد أن أصعب مشهد لا يستطيع نسيانه هو اللحظة التي حاول فيها، دون جدوى، إخراج الوثائق التي تثبت حقوقه وحقوق المتعاملين معه قبل هدم محله، إلا أن قوات الاحتلال رفضت السماح له بذلك. ويختم حديثه قائلًا: "الأسى ما بنتسى، وهذه لحظات خسارة كبيرة لا يمكن محوها من الذاكرة".
من جهتها، أوضحت بلدية بيتا في بيان رسمي أن الهجمة الأخيرة على سوق بيتا شملت هدم ستة بركسات تجارية، ومكتبًا للبلدية داخل الحسبة، ومكتبًا تابعًا لوزارة الزراعة، ووحدات صحية وكافتيريا، إضافة إلى التدمير الكامل للبنية التحتية والمرافق والخدمات المرتبطة بالسوق. وأشارت البلدية إلى أن الخسائر المادية الأولية تُقدر بنحو مليوني شيكل، معتبرةً أن ما جرى يمثل استهدافًا مباشرًا لأحد أهم المراكز الاقتصادية والتجارية في البلدة، وضربةً قاسية لمقومات التنمية والاقتصاد المحلي.
ويُعد السوق شريانًا اقتصاديًا رئيسيًا في الضفة الغربية، ومركزًا مهمًا لتسويق وبيع الخضار والفواكه، إذ يقصده التجار والمزارعون من مختلف المحافظات الفلسطينية.

لا تتوقف الخسائر عند حدود التجار، بل تمتد لتطال عشرات العمال الذين يعتمدون على السوق كمصدر رزق أساسي. فعلى مستوى التاجر أبو الحكم وحده، أدى هدم محله إلى توقف 14 عاملًا عن العمل، كانوا يعيلون أسرهم من خلال وظائفهم لديه، ليجدوا أنفسهم فجأة بلا مصدر دخل.
وفي الوقت الذي يحصي فيه التاجر خسائره، يتمسك العمال بأمل استمرار العمل، حتى في غياب الحد الأدنى من الظروف المناسبة. وهذا ما أوضحه أحد عمال السوق، والذي عرف نفسه باسم " شكعة" بينما كان يواصل ترتيب حمولة من البطيخ مباشرة على الأرض وتحت أشعة الشمس الحارقة، وسط قلق متزايد على مصير البضاعة المعرضة للتلف السريع، في ظل غياب أي بدائل أو خيارات متاحة.
ينتهج الاحتلال سلسلة من الإجراءات التضييقية الأخرى، من بينها إغلاق مداخل البلدة وتشديد القيود عليها، ومنع دخول البضائع، ومصادرة الأموال من المزارعين والتجار على الحواجز
ولا تقتصر الضغوط على عمليات الهدم، إذ ينتهج الاحتلال سلسلة من الإجراءات التضييقية الأخرى، من بينها إغلاق مداخل البلدة وتشديد القيود عليها، ومنع دخول البضائع، ومصادرة الأموال من المزارعين والتجار على الحواجز. وقد جعلت هذه الإجراءات الوصول إلى السوق مهمة صعبة، حتى بالنسبة لسكان مدينة نابلس القريبة من بيتا.
ومع كل اعتداء جديد، تتصاعد المطالبات بإعادة بناء السوق ودعم المزارعين والتجار. وتتمحور هذه المطالب حول إيجاد موقع بديل لإقامة السوق، بما يفشل ذرائع الاحتلال المتعلقة بالبناء دون ترخيص على أراضٍ مصنفة وفق اتفاقية أوسلو ضمن مناطق "ج"، حيث يكاد الحصول على تراخيص البناء يكون مستحيلًا. ويجعل ذلك السوق، ومعه مصدر رزق عشرات العائلات، في دائرة الخطر الدائم، إذ إن انهياره لا يعني خسارة منشآت تجارية فقط، بل انهيار دورة اقتصادية كاملة ترتبط بالمزارعين والتجار على حد سواء.
عباس ملحم:الاعتداء الذي تعرضت له حسبة بيتا يأتي ضمن سلسلة من الاعتداءات الممنهجة والمنظمة التي ينفذها المستوطنون بدعم مباشر من حكومة الاحتلال وبحماية الجيش الإسرائيلي.
وكشف المدير التنفيذي لاتحاد لجان المزارعين الفلسطينيين، عباس ملحم، في حديثه مع "نوى"، أن الاعتداء الذي تعرضت له حسبة بيتا يأتي ضمن سلسلة من الاعتداءات الممنهجة والمنظمة التي ينفذها المستوطنون بدعم مباشر من حكومة الاحتلال وبحماية الجيش الإسرائيلي.
ونبّه إلى أن هذه الاعتداءات تبدأ من الحقول الزراعية، عبر منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في مختلف مناطق الضفة الغربية، وتخريب المزروعات، وحرق الأشجار، وتقطيع خطوط المياه، وصولًا إلى منع مربي المواشي من الوصول إلى مناطق الرعي.
ولفت ملحم إلى أن الهدف الأساسي من هذه السياسات يتمثل في ضرب المنظومة الغذائية الفلسطينية من خلال استهداف المزارعين، باعتبارهم المنتجين الأساسيين للغذاء. ولم تقتصر الاعتداءات على الحقول الزراعية، بل امتدت إلى مراكز تسويق المنتجات الزراعية، مثل حسبة بيتا، في محاولة لضرب الحلقة الأخيرة التي تربط المزارع بالمستهلك.
ومن خلال هذا التسلسل من الإجراءات، يسعى الاحتلال، بحسب ملحم، إلى تسهيل عمليات الضم والتوسع الاستيطاني، عبر دفع المزارعين إلى ترك أراضيهم نتيجة الخسائر المتراكمة التي تفوق قدرتهم على التحمل، ما يجعل تلك الأراضي فارغة أمام مشاريع الاستيطان.
المطالبة بـ دور فاعل من المجتمع الدولي، الذي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، من خلال توفير الحماية الدولية للمزارعين، وضمان وصولهم إلى أراضيهم، وممارسة الضغوط على الاحتلال عبر أدوات متعددة، من بينها المقاطعة الاقتصادية والثقافية والأكاديمية،
وشدد ملحم على أن المزارع الفلسطيني لا يملك سوى إيمانه بحقه في أرضه وصموده في مواجهة قوة عسكرية تمارس بحقه مختلف أشكال الاعتداء، الأمر الذي يفرض حاجة ملحة إلى دور فاعل من المجتمع الدولي، الذي يدّعي الدفاع عن حقوق الإنسان، من خلال توفير الحماية الدولية للمزارعين، وضمان وصولهم إلى أراضيهم، وممارسة الضغوط على الاحتلال عبر أدوات متعددة، من بينها المقاطعة الاقتصادية والثقافية والأكاديمية، ومنع المستوطنين وقياداتهم من دخول الدول المختلفة باعتبار ذلك وسيلة ردع فعالة.
أما على المستوى الفلسطيني، فيرى ملحم أن الحاجة باتت ملحة لإنشاء صندوق طوارئ لدعم المزارعين المتضررين، خاصة في ظل الخسائر المالية الكبيرة التي يصعب على الأهالي تحملها بمفردهم. ويؤكد أن مثل هذا الصندوق سيشكل أداة مهمة لتعزيز صمود المزارعين واستمرارهم في مواجهة الاعتداءات المتواصلة.
