قطاع غزة:
فوق تلال النفايات التي تغطي ما تبقى من سوق فراس في مدينة غزة، يقف الطفل إبراهيم شحادة حاملاً كيسًا فارغًا يبحث فيه عن قطع قماش وبلاستيك ربّما تصلح لإشعال النار، لطهو وجبة لعائلته النازحة التي تعتمد على الحطب نظرا لانقطاع الغاز في القطاع نتيجة الحصار الإسرائيلي المحكم منذ بدء حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/تشرين الأول عام 2023.
السوق الذي ظل لعقود واحدًا من أبرز المراكز التجارية في المدينة، اختفت ملامحه تحت أكوام القمامة، ومع تعطل منظومة جمع النفايات واستحالة الوصول إلى المكب الرئيسي في الشرق فيما بات يعرف اليوم ضمن منطقة "الخط الأصفر"، لجأت بلدية غزة إلى استخدام أرض السوق كموقع مؤقت لتجميع المخلفات، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى واحد من أكبر مكبات النفايات.
تتصدر أكوام القمامة المشهد فيما تتسرب الروائح الخانقة وتحوم حولها أسراب من الحشرات، وأما الأطفال، فيتجولون بين المخلفات بحثًا عما يمكن بيعه أو استخدامه، في مكان كان مبهجًا للناس ويعج بالمتسوقين لكنه تحوّل إلى مأساة وبؤرة لتفشي الأمراض.
تواجه غزة أزمة بيئية وصحية غير مسبوقة نتيجة تراكم مئات آلاف الأطنان من النفايات داخل الأحياء السكنية ومراكز الإيواء.
بالعودة للطفل إبراهيم، فقد نزح من شرق حي الشجاعية، ويقيم مع أسرته قرب أحد مكبات النفايات، ومنذ اختفاء غاز الطهي وارتفاع أسعار الحطب، أصبح يقضي ساعات طويلة بين القمامة يجمع كل ما يمكن أن يتحول إلى وقود بديل.
يقول لـ"نوى": "إحنا بنمرض كل يوم بسبب مكب النفايات الذي نسكن حوله في خيمة، ومن الريحة ومن الوسخ، لكننا مضطرين نيجي نجمع قماش وبلاستيك عشان نولّع النار ونطبخ للأكل".
ويضيف بأنه يعاني طوال الوقت من أمراض مختلفة في جسده، من الحكّة وظهور بقع ذات لون أحمر فيما لا تتوفر الأدوية اللازمة في المراكز الصحية نتيجة الحصار أيضًا، وإن توفرت فإنها ربما لن تساعده على الشفاء طالما بقي يعيش مجبرًا في قلب هذه المأساة -وفق تعبيره-.
ولا يختلف حال الطفل ماهر، البالغ من العمر ثمانية أعوام، كثيرًا عن إبراهيم؛ إذ يقضي معظم يومه بين النفايات بحثًا عن البلاستيك والأقمشة والمعادن القابلة للبيع.
يمسح ماهر وجهه المثقل بالغبار بيده الصغيرة التي انتشرت عليها خدوش وجروح طرية سببتها قطع زجاج حادة أثناء النبش، ويقبض بيده الأخرى على سيارة بلاستيكية مكسورة عثر عليها بين المخلفات كغنيمة وحيدة ليومه.
يتحدث بأنه اشتاق لصفه الدراسي لا لكونه غرفة إيواء، اشتاق لحقيبته المحملة بالكتب لا بملابس النزوح، ليوم يأخذ فيه مصروفه اليومي بدلًا من تدبيره هو لأسرته بمساعدة أشقائه في النبش.
ويتابع بحسرة: "نفسي أرجع ألعب زي باقي الأطفال، وما أضل أجي على مكب النفايات كل يوم، أتمنى لو أدرس وألعب بمكان نظيف وآمن".
وبين أكوام النفايات هذه، يتعرض الأطفال يوميًا لمخاطر صحية جسيمة؛ من الأجسام الحادة والمواد الملوثة إلى الحشرات والقوارض والأمراض الناتجة عن تلوث البيئة، ومع ذلك، تدفعهم الحاجة إلى مواصلة النبش بين المخلفات، في مشهد يكشف كيف تحولت الطفولة نفسها إلى ضحية إضافية للحرب.
ومن جهته، يؤكد مسؤول الإعلام في بلدية غزة حسني مهنا أن المدينة تواجه أزمة بيئية وصحية غير مسبوقة نتيجة تراكم مئات آلاف الأطنان من النفايات داخل الأحياء السكنية ومراكز الإيواء.
يحذر مهنا من المخاطر التي يتعرض لها الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة في نبش النفايات
ويشير إلى أن تدمير الاحتلال عدد كبير من آليات البلدية ومنع الوصول إلى المكب الرئيسي شرق المدينة، إضافة إلى النقص الحاد في الوقود، أدى إلى انهيار جزء كبير من منظومة جمع وترحيل النفايات.
ويضيف أن استخدام سوق فراس كموقع مؤقت لتجميع القمامة كان إجراءً اضطراريًا للتخفيف من تكدسها داخل الشوارع، إلا أن استمرار الأزمة ضاعف المخاطر الصحية والبيئية، خاصة مع انتشار الحشرات والقوارض ومسببات الأمراض.
ويحذر مهنا من المخاطر التي يتعرض لها الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة في نبش النفايات، مؤكدًا أنهم يواجهون تهديدات صحية ونفسية مباشرة نتيجة الاحتكاك المستمر بالملوثات ومصادر العدوى.
