شباب "الدليفري".. يطاردون الرزق بين الحفر وتحت القصف
تاريخ النشر : 2026-05-31 23:22

قطاع غزة:

تحت شمسٍ حارقة، يشقّ محمد كراز (28 عامًا) طريقه بين الركام على دراجة هوائية بالكاد تصمد أمام الحفر التي خلّفتها حرب الإبادة في شوارع غزة، يضغط على المقود بيدين أنهكهما العمل الطويل، فيما تتأرجح خلفه حقيبة صغيرة تحمل طلبًا جديدًا ينتظر صاحبه.

لم يختر الشاب، الحاصل على شهادة جامعية في المحاسبة، العمل في توصيل الطلبات بحثًا عن رفاهية أو حياة مستقرة، بل دفعته حربٌ التهمت كل شيء في قطاع غزة إلى هذا الطريق، بعدما خسر عمله في أحد المحال التجارية، ليجد نفسه مسؤولًا عن إعالة عائلته بعد وفاة والده.

يقول لـ"نوى": "بعد وفاة أبي أصبحت المسؤول الأول عن عائلتي باعتباري الابن الأكبر. ومع اندلاع الحرب اشتدت ظروفنا المعيشية، وكنت أبحث ليل نهار عن أي فرصة عمل تمكنني من تأمين الطعام لهم، لكني كنت أعود في كل مرة خالي الوفاض".

على مدار أكثر من عامين، واصل محمد التنقل بين المناطق بدراجته المتهالكة، متحديًا القصف والدمار والمخاطر اليومية التي تحاصر الحياة في غزة.

في تلك الأثناء، كان أحد أصدقائه يعمل في توصيل الطلبات مستخدمًا دراجة هوائية بسيطة، فنصحه بخوض التجربة.

يستذكر محمد بداياته قائلًا: "استأجرت دراجة وبدأت أوصل طلبات الناس. أحيانًا أحصل على طلب واحد في اليوم وأحيانًا أكثر بحسب الحركة. كنت أشتري احتياجات البيت الأساسية وأعطي ما يتبقى لصاحب الدراجة".

وبعد أشهر من العمل، ادخر مبلغًا مكّنه من شراء دراجة مستعملة، والتحق بالعمل في مطعم "شعفوط" لتوصيل الطلبات إلى مختلف مناطق وسط وجنوب القطاع.

على مدار أكثر من عامين، واصل محمد التنقل بين المناطق بدراجته المتهالكة، متحديًا القصف والدمار والمخاطر اليومية التي تحاصر الحياة في غزة.

يتابع: "أغادر المنزل منذ ساعات الصباح الباكر، وأنتظر دوري في المطعم لتلقي الطلبات. أوصل إلى خانيونس ودير البلح والزوايدة والنصيرات، وغالبًا لا أعود إلى البيت قبل منتصف الليل".

ورغم أن العمل على الدراجة الهوائية يبدو بسيطًا للوهلة الأولى، إلا أنه يفرض على صاحبه جهدًا مضاعفًا في ظل الطرق المدمرة والمسافات الطويلة. يبتسم محمد بتعب ويقول: "والله بنام ما بحس بجسمي من التعب".

ولم تكن مشقة الطريق وحدها ما واجهه، فقد نجا أكثر من مرة من الموت أثناء عمله. يستعيد إحدى تلك اللحظات قائلًا: "كنت أقود دراجتي في منطقة القسطل عندما قصفت طائرات الاحتلال هدفًا بجواري. استشهد كل من كان أمامي، ونجوت بأعجوبة".

على بعد كيلومترات من رحلة محمد اليومية، يخوض عبد الله الوحيدي (19 عامًا) معركة مختلفة. فالشاب الذي كان يحلم بأن يصبح ممرضًا، وجد نفسه مضطرًا إلى تأجيل حلمه الجامعي والتوجه مبكرًا إلى سوق العمل تحت وطأة الظروف الاقتصادية القاسية التي فرضتها الحرب.

يروي لـ"نوى": "حصلت في الثانوية العامة على معدل 93.9%، والتحقت بجامعة الأزهر لدراسة التمريض، لكني لم أتمكن من إكمال سوى فصل دراسي واحد".

لم تكن الرسوم الجامعية وحدها العقبة أمامه، بل جاءت متطلبات الدراسة الإلكترونية لتزيد العبء على عائلته. يوضح: "الدراسة تحتاج إلى هاتف جيد وإنترنت متوفر طوال الوقت لمتابعة المحاضرات والواجبات والتكاليف، وكل ذلك لم أستطع توفيره بسبب ظروفنا المادية".

كان التخلي عن الجامعة قرارًا مؤلمًا لشاب بذل جهدًا كبيرًا للوصول إليها، لكنه لم يشأ أن يثقل كاهل والديه أكثر في ظل حربٍ بدّلت الأحلام ودفعت كثيرين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم لصالح البقاء.

يقول إنه تلقى عرضًا من ابن عمه للعمل على دراجته في توصيل الطلبات، فوافق وبدأ العمل منذ شهر فبراير/شباط الماضي، وذلك بعد أشهر من البحث المضني عن فرصة عمل.

ومنذ ذلك الحين، أخذ يجوب شوارع مدينة غزة لتلبية طلبات الزبائن، إلا أن الدمار الهائل الذي خلفته الحرب أصبح جزءًا من معاناته اليومية. يقول: "أعاني كثيرًا من تعطل عجلات الدراجة بسبب الركام المنتشر في الطرقات، كما أن قطع الغيار غير متوفرة، فأضطر أحيانًا إلى جر الدراجة لمسافات طويلة حتى لا تتعرض لمزيد من الأعطال".

ويشير إلى أن تعطل الدراجة بشكل مفاجئ يعني أزمة حقيقية بالنسبة له، إذ يجد صعوبة كبيرة في إصلاحها، فيما يفوق ثمن التصليح أحيانًا الأجرة التي يتقاضاها لقاء ساعات طويلة من العمل.

ينظر إلى دراجته ويقول: "هادا البسكليت إن خرب، بقدرش أجيب لأهلي أكل اليوم".

حصل عبدالله في الثانوية العامة على معدل 93.9%، والتحق بجامعة الأزهر لدراسة التمريض، لكنه لم يتمكن من إكمال سوى فصل دراسي واحد.

عمل عبد الله في مكاتب توصيل عدة، كما عمل داخل مطاعم مختلفة، لكنه وجد أن الدخل الذي يجنيه لا يكفي لتغطية احتياجاته الأساسية، فقرر الاعتماد على نفسه.

ويوضح: "نشرت رقمي على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتواصل معي الناس مباشرة. صحيح أن الأجرة لا تتناسب مع الغلاء الذي نعيشه، لكن القليل يبقى أفضل من لا شيء".

وعن أكثر المواقف التي تؤلمه، يقول: "حين يحسبني الناس أني لست متعلمًا ويعاملونني فقط كعامل، أشعر بالقهر".

يصمت قليلًا قبل أن يعود للحديث عن حلمه المؤجل، حيث لا يزال متمسكًا بدراسة التمريض، ويأمل أن يعود يومًا إلى مقاعد الجامعة، بعيدًا عن الطرق المدمرة وطلبات التوصيل، ليعمل في المهنة التي اختارها لنفسه منذ البداية، ويوفر حياة أكثر استقرارًا وكرامة لعائلته.