دير البلح- شبكة نوى :
"مجزرة على رواتبنا، هذا أقلُ وصف لما جرى معي، 500 شيكل فقط من أصل 1500 ماذا أفعل بها وكيف أنفق على عائلتي وكيف أستقبل العيد".
بهذه الكلمات الغاضبة، تحدّث السيد أدهم المشارفة من مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، حين ذهب لاستلام راتبه ليصدمه بالخصم الكبير الذي طال راتبه، وخطف فرحة العيد من عائلته وأطفاله الأربعة.
أدهم المكنّى أبو العبد هو واحد من نحو 8500 موظف يعرفون باسم "موظفو تفريغات 2005"، جرى تعيينهم في صفوف الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية عام 2005م، على أن يتم دمجهم كموظفين رسميين لكن وقوع أحداث الانقسام عام 2007م، أخّرت الملف وتم تجاهل إتمام إجراءات التعيين وحُرموا من الراتب الفعلي ليتلقوا بدلًا منه مبلغ 1500 شيكل شهريًا تحت بند "منحة".
لكن هذه المنحة التي لا تضمن لهم تأمين صحي ولا أي حقوق أخرى، لم يهنأوا بالحصول عليها بشكلٍ ثابت، فعند أي تقليصات مالية للسلطة الفلسطينية يكونوا هم أول الضحايا، تمامًا مثلما حدث هذ المرة، حين حرموا من المبلغ كاملًا يصرف لهم نصفه فقط، وليحرموا هم وعائلاتهم من بهجة عيد الأضحى الذي يوافق يوم غد الأربعاء.
يقول أبو العبد: "بعد خصم البنك 250 شيكل كقرض أصبح المبلغ الذي تسلمته 500 شيكل ونحن نعاني في ظل الحرب من غلاء الأسعار الفاحش في كل شيء" بمرارة يتساءل الرجل كيف سيتدبر أمور بيته ونفقات عائلته في ظل مبلغ لا يكفي لثلاثة أيام، "ماذا بعد ذلك"، يقول.
ينظر الرجل بحسرةٍ إلى طفلته البالغة (13 عامًا) وهو يتساءل: "أليس من حقها الحصول على فستان جديد لتفرح بالعيد، أليس من حق أطفالي الأربعة ملابس جديدة وألعاب في هذه المناسبة التي يفترض أن تكون سعيدة، ما تبقى من مبلغ سأدفعه ديون للسوبرماركت الذي أستدين منه".
ويحمّل أبو العبد الرئيس محمود عباس مسؤولية معاناة عائلته وعائلات زملائه الموظفين الذين تم تعيينهم في صفوف الأجهزة الأمنية بقرار من الاتحاد الأوروبي حينها حين تقرر إنهاء الأجنحة العسكرية ودمجهم في صفوف السلطة الفلسطينية.
يختم الرجل: "لدي أربعة أطفال كل واحد منهم له متطلباته والطفل لا يفهم أنه لا يوجد راتب، هو من حقه أن يحصل على ما يحتاج، لكن فرحت العيد ماتت قبل أن تبدأ".
وقع الصدمة كان أقسى على موظفي 2005 النازحين، فاحتياجاتهم أكبر بكثير والأسعار الجنونية لم ترحم جيوبهم الفارغة تمامًا مثلما لم تنتصر لعزّة نفسهم التي منعتهم من البوح بما يعانون.
تمامًا مثلما يحدث مع الناشط كريم مريش النازح من حي الشجاعية شرق مدينة غزة على خيمةٍ في مواصي خانيونس جنوب القطاع!
يقول كريم :"عندما تتعرض السلطة الفلسطينية لأزمة مالية يتعاملوا معنا كموظفين ويتم الخصم، وعند الانفراجة لا يتم التعويض، حدث هذا في أزمة عام 2017م، حين تم الخصم على رواتبنا لعام كام، وعند الانفراجة تم تعويض موظفي السلطة الفلسطينية ولم يعوضونا".
بتنهيدة وامتعاض، ترك كريم المكنى أبو العبد خيمته وخرج ليجلس وحيدًا يتجرع آلامه وهو يفكر في عيد الأضحى الذي سيمر هذا العام دون أن يمتلك أدنى مقومات تمكّنه من القيام بواجباته الاجتماعية.
يكمل :"ابنتي طفلة ليس لها ذنب ألا أشتري لها فستان العيد، وأبنائي أكبرهم في الثانوية العامة وكلهم بحاجة إلى ملابس جديدة من أجل العيد، أما باقي متطلبات العيد فلا نعرف منها أي شيء".
ويروي الرجل وهو أب لخمسة أبناء :"كل ما تلقيته 750 شيكلًا، ومن أجل العيد أنا بحاجة إلى حلاقة شعري أنا وأبنائي الثلاثة بمبلغ 70 شيكلًا، والمواصلات على غزة لزيارة أمي وإخوتي ومعي زوجتي وأبنائي ستكلفنا 280 شيكلًا، وأحتاج إلى مبلغ آخر من أجل العيديات، ومبلغ آخر لشراء ملابس جديدة لأبنائي، هذا وأنا لم أتكلم بعد في نفقات البيت من مأكل ومشرب وغيره".
يستعرض الرجل - الذي حرمته ظروف وظيفته من فرصة مواصلة تعليمه في الإعلام رغم أنه كان الأول على دفعته – واقع الخيمة التي يعيش فيها وما تسببه من أمراض جلدية بحاجة إلى علاج دائم يفترض أن يكون على نفقته إضافة إلى نفقات مكافحة الجرذان التي أصبحت تفوق قدرته المالية، ناهيك عن تكاليف تعليم أبنائه خاصة طالب الثانوية العامة.
ويكمل: "كل هذا نتحمله من مبلغ بسيط، وأنا رجل لي مكانة اجتماعية ومناضل لا أستطيع البوح بما أعاني، أنا لا أستطيع كتابة نكتة على الفيس بوك حرصًا على مكانتي الاجتماعية وهيبتي، فما بالك بالبوح بهذه التفاصيل، حتى إن حصلت على طرد غذائي أخجل من الوقوف لتسلمه وأرسل أحد أبنائي بدلًا عني".
ويحمّل مريش الرئيس محمود عباس المسؤولية عن حاله وحال زملائه الذين لم يتمكنوا من إيصال صوتهم خجلًا أو عدم قدرة على الوصول، ويقول إن فرحة العيد قتلت لدى 8500 أسرة بسبب هذا القرار الجائر.
